[مريم:64]، وقال تعالى: ((لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ)) [البقرة:255]، وقال: ((وكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً)) [النساء:26]، وقال تعالى: ((الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ ولَمْ يَتَّخِذْ ولَداً ولَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً)) [الفرقان:2]، وقال تعالى: ((ولَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى ورَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)) [الأعراف:52]، وقال تعالى: ((واللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ ومَا فِي الأَرْضِ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)) [الحجرات:16].
فما كان الخلفاء الراشدون يتلقون أو يأخذون نظمهم ولا سياستهم ولا مناهج علمهم وكافة أمورهم إلا من الكتاب المنزل من الله والسنة الموحى بها إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولم يكن الاقتصار منهم على الوحي الرباني عن فقر في العلوم والثقافة في عصرهم ولكنه عن علم وقصد واتباع لأمر الله وأمر رسوله -صلى الله عليه وسلم-، قال تعالى: ((ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا ولا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَذِينَ لا يَعْلَمُونَ)) [الجاثية:18].
فكل ما خالف الوحي فهو هوى وجهل وعمى، وقال تعالى: ((فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)) [الروم:30].
ولقد غضب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عندما رأى في يد عمر بن الخطاب صحيفة من التوراة وقال:"لقد جئتكم بها بيضاء نقية، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حياً ما وسعه إلا أن يتبعني" (7)، وأقوال الخلفاء الراشدين بعد وفاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومواقفهم توضح ذلك وتبينه.
قال الخليفة الأول صديق هذه الأمة بعد أن بويع بالخلافة في خطبة عامة: "إنما أنا متبع ولست بمبتدع، فإن استقمت فتابعوني، وإن زغت فقوموني" (8).
وقال عمر الخطاب -رضي الله عنه-:" قد كنت أرى أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سيدبر أمرنا-أي: يكون آخرنا -، وإن الله قد أبقى فيكم الذي به هدى رسوله، فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه الله، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم (9) (يعني: أبا بكر).
وقال أيضاً:" إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله" (10). فالاعتصام بالكتاب والسنة والتلقي منهما قضية مسلمة لا تقبل النقاش، ولقد استمرت الأمة على هذا الفهم قروناً، ولكنها أصيبت في الأعْصُر المتأخرة بالانحرافات حتى جهلت المسلمات ووجد من أبنائها من يجادل في هذا، بل وربما وجد فيمن ينتسبون إلى الدعوة، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
2 - حماية جانب العقيدة:
لقد جاءت الشريعة بسد باب الذرائع المؤدية إلى الشرك ومحاربة البدع والمحدثات في الدين، ولهذا لم يكن الخلفاء الراشدون وظيفتهم تقف عند حفظ الأمن والحكم بين الناس، بل إنها تتعدى ذلك لتشمل كافة مصالح الأمة الدنيوية والأخروية، ومن ثم قاموا على نشر العقيدة الصحيحة وسدوا كافة المنافذ المؤدية إلى الابتداع في الدين أو النقص منه أو الانحراف في فهمه، وقاوموا كل مبتدع أو مشكك في الدين، وطبقوا قوله -صلى الله عليه وسلم-:"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (11).