فتك الشبهات بالقلوب:
كثير من الشبه التي ترد على القلوب في مسائل الدين، وفي حقوق السلاطين وما لهم وما عليهم، يحتاج الناس في إزالتها إلى من يحسن التعامل معها من أهل العلم والفضل، وأصحاب الحكمة والعقل، وإلا فتكت بأصحابها، وأدخلت المسلمين في دوامة من الشر والفتنة لا خلاص لهم منها إلا أن يشاء الله تعالى.
وما وقع من أحداث مأساوية في كثير من بلاد المسلمين في هذا العصر، وبالأخص في تلك البلاد المباركة، على أيدي بعض أبنائها، إنما هو ناتج عن شبهات وردت على قلوبهم، أخطأوا معها طريق الإصلاح، وظنوه في رفع السلاح، ونكث البيعة، والخروج على السلطان؛ فكانوا سبباً في ضرب المسلمين بعضهم ببعض، وأشمتوا بالأمة الكفار والمنافقين، ومكنوا لأهل الفساد والإلحاد التسلق على الأحداث، ونشر البغي والفساد، ثم كانت نهاية كثير منهم أليمة، والله أعلم بما يلقون به ربهم، وفي رقابهم دماء معصومة، وفي ذلك أبلغ العبرة والعظة لكل من يستسلم للشبهات، ولا يراجع العلماء الربانيين فيها.
ولو أنهم ما استسلموا للشبهات التي داخلت قلوبهم، ولا أعاروا عقولهم غيرهم، لما فعلوا في بلاد المسلمين ما فعلوا.
ولو أنهم فهموا نصوص الكتاب والسنة، ولم يخرقوا إجماع الأمة، لما ضلوا عن الصراط المستقيم، ولما رفعوا السلاح على المسلمين، واستحلوا الدماء المحرمة التي شأنها عند الله تعالى عظيم.
ولو أنهم فقهوا المصالح والمفاسد، وعرفوا ترتيب الأوليات، لأدركوا أن الإفساد لا يكون إصلاحاً، وأن قصد الآمنين، والإفساد في بلاد المسلمين، لن تكون عاقبته إلا خراب الدين والدنيا.
والمسؤول عن ذلك كله الشبهات التي ترد على القلوب فتفسدها، فيظن أصحابها أنهم يصلحون وهم يفسدون، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، أن المتشربين بالشبهات معهم منقولات ظنوها صدقاً ولم يكن لهم خبرة بأنها كذب، ومعهم من الآيات والأحاديث الصحيحة تأويلات ظنوها مرادة من النص ولم تكن كذلك، ومعهم نوع من القياس والرأي ظنوه حقاً وهو باطل، ثم قال رحمه الله تعالى: (فهذا مجموع ما يورث الشبه في ذلك إذا خلت النفوس عن الهوى، وقل أن يخلو أكثر الناس عن الهوى إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى" 23 ﴿النجم: 23﴾) (3).
وقال تلميذه ابن القيم رحمه الله تعالى: (الشبهة وارد يرد على القلب يحول بينه وبين انكشاف الحق له، فمتى باشر القلب حقيقة العلم لم تؤثر تلك الشبهة فيه بل يقوى علمه ويقينه بردها، ومعرفة بطلانها، ومتى لم يباشر حقيقة العلم بالحق قلبه قدحت فيه الشك بأول وهلة، فإن تداركها وإلا تتابعت على قلبه أمثالها حتى يصير شاكاً مرتاباً، والقلب يتوارده جيشان من الباطل: جيش شهوات الغي، وجيش شبهات الباطل، فأيما قلب صغا إليها، وركن إليها تشربها، وامتلأ بها، فينضح لسانه وجوارحه بموجبها، فإن أشرب شبهات الباطل تفجرت على لسانه الشكوك والشبهات والإيرادات، فيظن الجاهل أن ذلك لسعة علمه وإنما ذلك من عدم علمه ويقينه وقال لي شيخ الإسلام