لقد نقموا على الخليفة ما نقموا، فركبهم أهل السوء والنفاق، ومبتغو الفتنة والشقاق، يلقون إليهم قالتهم، ويسيرونهم بشائعتهم، ويقذفون في قلوبهم شبهاتهم؛ حتى مكنوا من قلوبهم شبهات ما ردوها من بدايتها، ولا استفتوا فيها العلماء الراسخين في العلم من الصحابة وكبار التابعين، بل استسلموا لها، فتمكنت من قلوبهم، وعظمت بها نفوسهم، حتى تهيأوا للشر والفتنة، فخرج بهم الرؤوس الظالمون في جيش كثيف على عثمان رضي الله عنه؛ يظهرون لهم الإصلاح، ويهتفون فيهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأحسنوا الظن بهم وما أحسنوا، وظنوا السوء بخليفتهم وبئس ما ظنوا، فكانوا أهل المنكر والفتنة والفساد.
لقد حسبوا أنهم بصنيعهم هذا للإسلام ينصرون، وفي البلاد يصلحون، ولله تعالى يتقربون، وهم المفسدون ولكن أكثرهم لا يعلمون.
لما وصلوا المدينة النبوية، وأعلنوا خروجهم على الخليفة، وأخذوا يشغبون على الناس، ويلقون إليهم بشبهاتهم، ويبثون فيهم شائعاتهم؛ نصح لهم عثمان رضي الله عنه وهو الخليفة الناصح لرعيته، وعرض شبهاتهم وأجاب عنها، لعلهم يتذكرون، وعن غيهم يرجعون.
قام عثمان رضي الله عنه في الناس خطيباً، فذكر شبه الخوارج شبهة شبهة، وأجاب عنها الواحدة تلو الأخرى، فقال رضي الله عنه وأرضاه: إن هؤلاء ذكروا أموراً قد علموا منها مثل الذي علمتم إلا أنهم زعموا أنهم يذاكرونيها ليوجبوها علي عند من لا يعلم0
الشبهة الأولى: قال عثمان رضي الله عنه: قالوا- يعني الخوارج-: أتم الصلاة في السفر وكانت لا تتم، ألا وإني قدمت بلداً فيه أهلي فأتممت لهذين الأمرين، أو كذلك؟ قال الناس: اللهم نعم.
الشبهة الثانية: قال عثمان رضي الله عنه: وقالوا: وحميت حمى، وإني والله ما حميت إلا ما حمي قبلي - يعني ما حماه قبله أبو بكر وعمر لإبل الصدقة - والله ما حموا شيئاً لأحد، ما حموا إلا غلب عليه أهل المدينة ثم لم يمنعوا من رعيه أحداً، واقتصروا لصدقات المسلمين يحمونها لئلا يكون بين من يليها وبين أحد تنازع، ثم ما منعوا ولا نحوا منها أحداً إلا من ساق درهماً، ومالي من بعير غير راحلتين، ومالي ثاغية ولا راغية، وإني قد وليت وأنا أكثر العرب بعيراً وشاء، فمالي اليوم شاة ولا بعير غير بعيرين لحجي، أكذلك؟ قال الناس: اللهم نعم.
الشبهة الثالثة: قال عثمان رضي الله عنه: وقالوا: كان القرآن كتباً فتركتها إلا واحداً - يعنون جمع عثمان رضي الله عنه المصاحف في مصحف واحد - ألا وإن القرآن واحد، جاء من عند واحد، وإنما أنا في ذلك تابع لهؤلاء، أكذلك؟ قالوا: نعم.
وعندما أجاب رضي الله عنه عن شبهاتهم بهذه الأجوبة المفحمة لهم سألوه أن يقيلهم من بقية شبهاتهم ولكنه رضي الله عنه أراد أن يوضح للناس حقيقتهم، ويكشف لهم خطيئتهم، ويزيل الشبهات من قلوبهم، فمضى يجيبهم.
الشبهة الرابعة: قال عثمان رضي الله عنه: وقالوا: إني رددت الحكم - يعني: ابن أبي العاص وكان النبي {قد نفاه إلى الطائف ثم أرجعه إلى مكة - وقد سيره رسول الله