ثانياً: اختياره صلى الله عليه وسلم أحب الناس إليه للمهام الصعبة، وعدم الاكتراث بحداثة سنِّه مع توفر الكفاءة فيه، فكبر السن لا يهب الأغبياء عقلاً، والصغر لا ينقص الأتقياء فضلاً. وقد قال الشاعر:
فما الحداثة عن حلم بمانعة قد يوجد الحلم في الشبان والشيب
لقد كان زيد بن حارثة رقيقًا، وهو والد أسامة - قائد البعث المبارك - وهو في أصله مولى، وكان أسامة رضي الله عنه فتى صغيرًا في حدود الثامنة عشر من عمره. ومع ذلك فلا الصغر ولا الرق القديم منع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن يجعله أميرًا على عامة الصحابة - وفيهم أصحاب الهجرة وأصحاب النصرة - في غزوة مهمة كانت وجهتها خارج جزيرة العرب، ومهمتها مواجهة دولة عظمى كدولة الروم! ولئن وَجَد المنافقون، والذين في قلوبهم مرض في تصرف الرسول صلى الله عليه وسلم مثارًا للتعجب والاستنكار، فإن شريعة الإسلام لا تقيم اعتبارًا لمعايير البشر، ولا تقيم وزنًا لمقاييس الجاهلية، وهل جاء الإسلام إلا ليحطم تلك المعايير الجاهلية، وليقضي على تلك المقاييس البشرية، التي يستخدمها الناس للمفاضلة بين البشر، وقياس درجة التفاوت بينهم.
ولعل النبي صلى الله عليه وسلم قد وجد في أسامة رضي الله عنه مزية، جعلته أولى من غيره بقيادة الجيش في هذه الغزوة. وإذا كان الأمر كذلك، فليس على المسلمين - والحال كما ذكرنا - إلا السمع والطاعة، وإن أُمِّر عليهم عبد حبشي. ولذلك كان أول عمل قام به أبو بكر رضي الله عنه بعد توليته الخلافة، هو تنفيذ أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وإنفاذ جيش أسامة إلى وجهته التي أرادها له الرسول عليه الصلاة والسلام. وخرج أبو بكر رضي الله عنه برفقة الجيش بنفسه ماشيًا - وهو خليفة المسلمين - و أسامة راكبًا، وبقي معه إلى أن تجاوز الجيش حدود المدينة. ثم استأذن منه في إبقاء عمر رضي الله عنه إلى جواره لمساعدته في تسيير أمور الدولة، فأذن له أسامة بذلك. ولقد رجع أسامة رضي الله عنه من هذه الغزوة منصورًا ظافرًا. وكان في تسيير ذلك الجيش نفع عظيم للإسلام والمسلمين.
ثالثاً: مبادرته صلى الله عليه وسلم لمعالجة الأمور بسرعة، وعدم التأخر في بيان ما يُحتاج إليه. يظهر ذلك في تصرف النبي صلى الله عليه وسلم عند سماعه كلامًا حول إمرة أسامة رضي الله عنه، وصعوده المنبر، وبيانه أهلية أسامة، وأنه أهل لما أُسند إليه.
رابعاً: ويُستخلص من هذا البعث الكريم عِظَم ومدى المحبة التي كان الصحابة رضي الله عنهم يحملونها في قلوبهم لنبيهم صلى الله عليه وسلم، وقد تجلت هذه المحبة من خلال تريثهم في التحرك لملاقاة الروم عند اشتداد مرضه، وانتظارهم لما سيسفر عنه هذا الأمر.
خامساً: حكمة أبي بكر الصديق رضي الله عنه وموقفه الصلب في إنفاذ جيش أسامة، رغم كل الصعاب والظروف التي ترافقت وتزامنت مع إرسال بعث أسامة إلى مشارف بلاد الشام لمواجهة الروم. فلم يلتفت أبو بكر لتلك الآراء والأقوال التي كانت تريد أن تثنيه عن المضي في إرسال جيش أسامة إلى الوجهة التي أرادها له رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إن عمر رضي الله عنه عندما أراد أن يبدي رأيًا في