من مرضه، فتوجه إلى أسامة قائلاً له: اغد على بركة الله، فودعه أسامة، وخرج إلى معسكره.
وقد قضى الله سبحانه أن يكون هذا البعث آخر بعث في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأول بعث ينفذ في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه. إذ في هذه الأثناء، عظم الخطب واشتد الحال برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقام الجيش في مكانه، ينتظر خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم أتاهم نبأ وفاته عليه الصلاة والسلام.
وبعد أن انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، واستقر الأمر ل أبي بكر رضي الله عنه، أوعز ل أسامة - الذي كان لا يزال مرابطًا على حدود المدينة، في مكان يقال له: (ذو خشب) - بالمسير لوجهته. وكانت الردة قد انتشرت في صفوف بعض قبائل العرب. وقد أشار كثير من الناس على الصديق أن لا يبعث جيش أسامة؛ لاحتياجه إليه فيما هو أهم. إلا أن أبا بكر لم يبالِ بالأقوال التي كانت تفضل تجميد الجيش؛ وأيضًا لم يكترث بالآراء التي ارتأت أن يستبدل ب أسامة غيره؛ بل أطلق قولته المشهورة، التي تدل على صلابة موقفه، وقوة عزيمته، قائلاً: (والذي لا إله غيره، لو جرت الكلاب بأرجل أزواج رسول الله، ما رددت جيشًا وجَّهه رسول الله، ولا حللت لواء عقده رسول الله) وفي رواية أنه قال: (لو ظننت أن السباع تخطفني، لأنفذت بعث أسامة، كما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو لم يبق في القرى غيري لأنفذته) ووجه أسامة لإتمام المهمة التي أوكلها إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وخرج الصِّديق يودع الجيش أسامة ماشيًا. ولما أراد أسامة أن ينزل ليركب أبو بكر رضي الله عنه، اعترضه أبو بكر قائلاً: والله لا نزلتَ، ولا ركبتُ. وما عليَّ أن أغبَّر قدمي في سبيل الله ساعة، فإن للغازي بكل خطوة يخطوها سبعمائة حسنة تكتب له، وسبعمائة درجة ترتفع له، وتُرفع عنه سبعمائة خطيئة. ثم ودع أبو بكر الجيش، وأوصاهم خيرًا فيما هم مقدمون عليه، وقال ل أسامة: اصنع ما أمرك به نبي الله صلى الله عليه وسلم، ولا تقصرن في شيء من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ونهض أسامة للأمر الذي كُلِّف به خير قيام، وانتهى إلى ما أمره به النبي صلى الله عليه وسلم، وجعل لا يمر بقوم ولا قبيلة يريدون الارتداد إلا قالوا: لولا أن لهؤلاء قوة ومنعة ما خرج مثل هؤلاء من عندهم، ولكن نَدَعُهم حتى يلقَوا الروم. فلقوا الروم، فهزموهم وقتلوهم ورجعوا سالمين غانمين.
وقد ثبَّت الله بهذا الموقف من أبي بكر رضي الله عنه أقوامًا كثيرة على الإسلام، وعاد كثير من الذين ارتدوا إلى إسلامهم. وكان خروج بعث أسامة في ذلك الوقت من أكبر المصالح للإسلام والمسلمين. وكان فراغه من بعثه هذا في أربعين يومًا.
وقد تضمن هذا البعث المبارك الكثير من الدروس والفوائد، نشير إلى بعض من ذلك فيما يأتي:
أولاً: علو همة النبي صلى الله عليه وسلم، وحرصه على الجهاد في سبيل الله، حيث ما فتئ بعد وصوله إلى المدينة عائدًا من الحج، حتى أخذ يعد العدة لإرسال بعث جديد، لنشر دعوة الحق، وحماية دولة الإسلام.