يومكم هذا في شهركم هذا، في بلدكم هذا، وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية، تحت قدمي هاتين موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وربا الجاهلية موضوع، فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا وطئن ليهم لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهون، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وأني قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعدُ إن اعتصمتم به؛ كتاب الله! وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟) قالوا نشهد أنك قد بلغت رسالات ربك وأديت، ونصحت لأمتك وقضيت الذي عليكنبالمعروف، فقال بأصبعة السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس، اللهم اشهد، اللهم اشهد، وقد ألقى في هذه الخطبة خطباً أخرى جاء فيها: (أيها الناس إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه! ولكنه رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم، فاحذروا، أيها الناس: إني قد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا: كتاب الله وسنة نبيه، إن كل مسلم أخو المسلم، المسلمون أخوة، ولا يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما أعطاه من طيب نفس) وفي بعض خطبة تلك الحجة أيضاً قال: (ويلكم أو ويحكم انظروا، لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض!) وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يحذر ويأمر ويوصي ويقرر، ويعظ ويؤصل، وكأنه يريد ـ بعد بلاء طويل في إبلاغ الرسالة، أن يفرغ في آذان الناس وقلوبهم آخر ما لديه من نصح، فقد كان يحس أن هذا الركب سينطلق وحده في بيداء الحياة، فهو يصرخ به كما يصرخ الوالد بابنه الذي انطلق به القطار، يوصيه بالرشد، ويذكره بما ينفعه أبدا.
لقد أجيبت دعوة أبي الأنبياء إبراهيم حين هتف وهو يبني البيت العتيق: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (2) لبقرة:129 فيهم، ولما لم يبق من دعائم الإسلام وقواعده شيء إلا وقد بينه، أنزل الله عليه في يوم عرفة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ (3)، ولما سمعها عمر رضي الله عنه بكى فقيل له لما بكيت؟ قال إنه ليس بعد الكمال إلا النقصان! وكأنه استشعر وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، والحق إن مشاعر التوديع للحياة والأحياء كانت تنضح بها عبارات النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك قوله عند جمرة العقبة: خذوا عني مناسككم فإني لا أدري! لعلي لا أحج بعد عامي هذا، ولما قضى نسكه عاد إلى المدينة ليستأنف حياة الكفاح، وأمر بتجهيز جيش إلى الشام لقتال الروم الصليبين، وأمر على هذا الجيش أسامة بن زيد، وكان فتى في الثامنة عشرة من عمره، وفي الجيش أبو بكر وعمر، لكن تأخر خروج أسامة بعد أن عقد له النبي صلى الله عليه وسلم اللواء بيده بسبب مرض النبي صلى الله عليه وسلم الذي جعلهم يتريثون حتى يروا ما قضى الله به لرسوله صلى الله عليه وسلم.
----------------------
(1) [التوبة:3].
(2) [البقرة:129].
(3) [المائدة:3].