تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ساد الإسلام الجزيرة العربية كلها، وتوحدت تحت رايته لأول مرة في تاريخها، وقد تمكن رسول الله صلى الله عليه وسلم من تحقيق هذه الوحدة في أقل من عشر سنوات، رغم ما واجهه من صعوبات، تمثلت في العصبيات الجاهلية والنزعات القبلية.

وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث رسله وسفراءه يعلمون الناس أحكام الإسلام ويشرحون لهم حقيقة الإيمان، كما أرسل معاذاً وأبا موسى إلى اليمن، وأرسل خالد بن الوليد ثم علياً إلى اليمن كذلك، وفي وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم الدعوية إلى كل من هؤلاء الأخيار ما يؤكد أن مسؤولية الإسلام في أعناق المسلمين في كل عصر وفي كل مكان، حملهم رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الأمانة وأمرهم أن يُحمِّلوها مَن بعدهم.

وفي ذي الحجة من السنة التاسعة أمَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر على الحج، فلما خرج الناس من المدينة، نزلت سورة براءة، التي أمر الله فيها بمفاصلة الوثنية وأتباعها، ومنع حج المشركين بعد هذا الموسم، وإعلان الحرب عليهم، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم علياً يبلغ أحكام هذه السورة في الموسم وقال: (لا يبلغ عني إلا رجل من أهل بيتي) تمشياً مع عادة العرب في عهود الدماء والأموال، وأمره أن ينبذ إلى كل ذي عهد عهده، ويعهد إليهم ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، وأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، نعم لقد آن الأوان لمفاصلة عباد الأصنام، ووضع حد لعنادهم وتجاهلهم لدعوة الحق: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ (1)، وكأن هاتفاً خفياً في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم يشعره أن مقامه في الدنيا يوشك على النهاية، فإنه بعد أن علم معاذا كيف يدعو الناس، وكيف يعرفهم دينهم، خرج يودعه ويوصيه، وذلك في السنة العاشرة ـ ثم قال له: يا معاذ! إنك عسى ألا تلقاني بعد عامي هذا! ولعلك تمر بمسجدي هذا وقبري، فبكي معاذ خشية لفراق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم التفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وقال: إن أولى الناس بي المتقون، من كانوا وحيث كانوا.

وفي السنة العاشرة أعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم نيته بالحج، وأشعر الناس بذلك حتى يصحبه من شاء من المسلمين، فقدم المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرج من المدينة لخمس ليال بقين من ذي القعدة في السنة العاشرة، قال جابر رضي الله عنه: فلما استوت به ناقته في البيداء، نظرت مد البصر بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن، ونظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تلك الألوف المؤلفة التي صار يصعب تقديرها وهي تلبى وتتسابق إلى طاعة الله، فشرح صدره انقيادها للحق، واهتداؤها إلى الإسلام، وعزم أن ينتهز هذا التجمع الكريم، وليقول كلمات،: هي آخر ما ألقت الجاهلية من مخلفات في النفوس، وتؤكد ما يحرص الإسلام على غرسه في القلوب من توجهات وآداب وأحكام، فراح يلقى خطبة الوداع، يلمح فيها بالرحيل: (أيها الناس: اسمعوا لي فإني لا أدري لعلى لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا، أيها الناس: إن دمائكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٢١٢٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٢١٢٧