تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لهم الدنيا ولنا الآخرة؟) رواه البخاري، فلماذا نراه يفضّل شظف العيش وقسوة الحياة على رغدها لو لم يكن متطلّعاً إلى ما عند الله من ثوابه ونعيمه؟

تاسعا: جاءت وفود الأنصار عند العقبة لمبايعة النبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وعلى الدفاع عنه حتى الموت، فما المقابل الذي بشّر به النبي صلى الله عليه وسلم أصحاب هذه البيعة؟ إنه لم يكن مالاً يبذله لهم، أو وعوداً على مناصب قياديّة، أو أمانيّ في رقاع من الأرض، لكنه سما بهم عن كل حطام الدنيا وبشّرهم بالجنة، والملفت للنظر أنهم لم يطالبوا بشيء من هذه الأموال، ولكن تدافعوا للبيعة وهم يعلمون أنهم قد يدفعون أرواحهم ثمناً لهذه البيعة، ولو كان هؤلاء القوم لم يلمسوا فيه صدق دعوته لما واقفوا على مثل تلك البيعة، فأيّ شيء يغريهم على الموت في مقابل غير معلوم؟ لا شك أن هذا يعد دليلاً على صدقه.

هل كان النبي صلى الله عليه وسلم مصلحاً اجتماعيا؟

لا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم بُعث ليتمّم مكارم الأخلاق، ويضيف إلى الإنسانية الكثير من المعاني السامية، والمثل العليا، وإن البعد الأخلاقي في مبادئه واضح بلا مراء، لكن أن يحلو للبعض أن يفسّر دعوته بانتحال النبوة، والاحتيال باسم الدين، كي يسهم في انتشال قومه من الانحلال الخلقي، ومحاربة الهيمنة القبلية، فهذا ما لا يقوله عاقل منصف، عرف التاريخ، أو اطلع على جزء من حياة النبي صلى الله عليه وسلم.

والنقاط التالية تبيّن تهافت تلك الفرية، وأنها لا تعدوا أن تكون أفكاراً نابعة من نفوس مغرضة:

أولاً: إن جوانب الحياة الاجتماعية تشمل عدة أبعاد: البعد المنظّم لعلاقة الإنسان بنفسه، والبعد المنظم لعلاقته بمن سواه، ولو كان النبي صلى الله عليه وسلم مجرّد مصلحٍ اجتماعي لكان تركيزه الأعظم على هذين البعدين، بينما نرى في الواقع أن العماد الحقيقي الذي قامت عليه دعوته هو بُعد أعمق من القضيتين السابقتين، إنه البُعد العقدي، والمتمثل في علاقة الإنسان بخالقه ومولاه.

لقد تركّزت الدعوة الإسلامية في أكثر مظاهرها بالعبادة وتوحيد الله جلّ وعلا، وهذا البعد ليس له علاقة مباشرة بالإصلاح الاجتماعي، فما بال النبي صلى الله عليه وسلم يأمر الناس بعبادة الله وحده؟ وما علاقة الأخلاق بتحمّل أعباء تكاليف تُشغل بمجملها حياة الإنسان اليومية؟.

وهنا قد يقول المستشرقون: إن لهذه التكاليف أثراً في ترويض الروح على الفضيلة، لكن هذا لا يتماشى مع النهي عن عبادة الأصنام، ولا مع وجوب البراءة من الكفر والكافرين، مما يجعلنا نقطع بتهافت مثل هذا الرأي.

ثانياً: إن هذا التفسير النظري ليقف عاجزاً عن تفسير بكاء الصحابة العائدين من الغزوات إذ لم تُكتب لهم الشهادة، ويقف عاجزاً كذلك عن تفسير حرصهم على قتال ذويهم وبني جلدتهم، حتى ترى الوالد يقتل ولده، والأخ يقتل أخاه، كل ذلك في سبيل هذه الدعوة الجديدة، كما أن هذه النظرية لتعجز عن تفسير رضا المهاجرين أن

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٢١١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٢١١٠