مسيلمة طامعاً في الحكم، استغلّ الروح العصبية في قومه فقام بإذكائها حتى يُكثر من أتباعه، فلننظر إليه عندما خطب الناس قائلا: " أريد أن تخبروني بماذا صارت قريش أحق بالنبوة والإمامة منكم؟ والله ما هم بأكثر منكم ولا أنجد، وإن بلادكم لأوسع من بلادهم، وأموالكم أكثر من أموالهم "، وكان كذبه من الجلاء بحيث أن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال له قبل إسلامه: والله إنك لتعلم أني أعلم أنك تكذب، وقال أحد أتباع مسيلمة – وهو طلحة النمري – له: أشهد أنك كاذب وأن محمداً صادق، ولكن كذّاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر ".
فها نحن نرى مسيلمة قد اتضح قصده من خلال مواقفه وكلامه، فأين هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي شهد له معاصروه بنبوته ورسالته؟، إن ذلك مما لا يخفى على كل منصف عاقل.
سابعا: تطالعنا كتب السير بحادثة فريدة تكشف بطلان ما زعمه المستشرقون حول طبيعة الدعوة الإسلامية، وذلك حينما انكسفت الشمس يوم مات إبراهيم، فقال الناس: انكسفت لموت إبراهيم، فأجابهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته) متفق عليه.
يقول الشيخ أبو الحسن الندوي رحمه الله معلقاً على هذه الحادثة: " لو كان مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه المناسبة الحزينة أي داعٍ من الدعاة، أو زعيم من الزعماء، أو قائد دعوة أو حركة أو جماعة، لسكت على هذا الكلام – إذا لم يوفّق إلى نفيه – ظناً منه أن ذلك الكلام إنما هو في صالح دعوته وحركته، وظنّ أنه لم يسترع الانتباه إلى هذه الناحية، بل إن الناس بأنفسهم فكّروا في ذلك، وقالوا: إن الشمس انكسفت لوفاة ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذاً فهو ليس بمكلف بنفي هذا التفكير.
وذلك هو الفرق بعينه بين النبي وغيره، فإن الأحداث التي يستغلها أصحاب التفكير السياسي – وإن كانت حوادث طبيعية – يرى الأنبياء الكرام عليهم السلام أن استغلالهَا على حساب الدين حرام، وأمر يرادف الكفر، ولا أدري أن أحداً سوى محمد صلى الله عليه وسلم قد صدق في هذا الامتحان من غير مؤسسي الجماعات وزعماء السياسة ". انتهى كلامه بتصرّف.
فانظر أيها القاريء الكريم كيف حرص النبي صلى الله عليه وسلم على عدم ربط الناس بشخصه أو تطويع هذه الحادثة لمصلحته، بل انظر كيف قام بترسيخ البعد العقائدي في مثل هذه الحوادث الكونية، مما ينفي قطعاً كونه مجرد زعيم سياسي.
ثامنا: كل الشعوب ترى من حق قائدها أن يتملّك الأراضي ويتمتّع بالمال ويتقلّب في النعيم، فكان من الطبيعي أن يشتهر عن النبي صلى الله عليه وسلم الثراء وأن يظهر ذلك في بيته وملبسه ومسكنه، لكننا نفاجأ ببساطة حياة النبي صلى الله عليه وسلم ومدى زهده، حتى أثّر ذلك في أصحابه رضوان الله عليهم، وقد رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أثر الحصير في جنب النبي صلى الله عليه وسلم فبكى، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما يبكيك؟)، فقال: "يا رسول الله، إن كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت رسول الله "، فقال له: (أما ترضى أن تكون