العطرة، وعلم أنه من ذات المشكاة التي أتى منها موسى عليه السلام، فقال: " إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة ".
كذلك الشأن في هرقل عظيم الروم، والذي استطلع شأن هذه الدعوة الجديدة في وقت مبكر، من خلال محاورة هامة دارت بينه وبين $أبي سفيان زعيم قريش، فقد روى الإمام أحمد بسند صحيح أن هرقل قال لأبي سفيان: " إنى سألتك عن نسبه فيكم فزعمت أنه فيكم ذو نسب، وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها، وسألتك هل قال هذا القول أحد منكم قط قبله؟، فزعمت أن لا، فقلت: لو كان أحد منكم قال هذا القول قبله قلت: رجل يأتم بقول قيل قبله، وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فزعمت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله عز وجل، وسألتك هل كان من آبائه من ملك؟ فزعمت أن لا، فقلت لو كان من آبائه ملك قلت رجل يطلب ملك آبائه، وسألتك أشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟، فزعمت أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل، وسألتك هل يزيدون أم ينقصون؟، فزعمت أنهم يزيدون، وكذلك الإيمان حتى يتم، وسألتك هل يرتد أحد سخطه لدينه بعد أن يدخل فيه؟، فزعمت أن لا، وكذلك الإيمان حين يخالط بشاشته القلوب، لا يسخطه أحد، وسألتك هل يغدر؟، فزعمت أن لا، وكذلك الرسل، وسألتك هل قاتلتموه وقاتلكم؟، فزعمت أن قد فعل، وأن حربكم وحربه يكون دولا يدال عليكم المرة، وتدالون عليه الأخرى، وكذلك الرسل تبتلى ويكون لها العاقبة، وسألتك بماذا يأمركم؟، فزعمت أنه يأمركم أن تعبدوا الله عز وجل وحده لا تشركوا به شيئا، وينهاكم عما كان يعبد آباؤكم، ويأمركم بالصدق والصلاة والعفاف، والوفاء بالعهد وأداء الأمانة، وهذه صفة نبي قد كنت أعلم أنه خارج ولكن لم أظن أنه منكم ".
خامسا: لو كان الملك غايته، لكان في عرض قريش له أن يجعلوه ملكا طريقاً مختصراً لهذه الغاية، لكنه أبى ذلك، وتمسك بمبدأ نبوته، مما ينفي صحة هذا الادعاء.
سادسا: أنه يوجد في التاريخ نموذج لرجل ادعى النبوة ليجعلها سبباً في التملك والزعامة، هذا الرجل هو مسيلمة بن ثمامة المعروف بمسيلمة الكذاب، ونريد بتسليط الضوء على حياة هذا الرجل أن نبيّن أن استغلال النبوة للوصول إلى السلطة أمر لا يمكن أن يخفى على عقلاء الناس، ولا أن يلتبس شأنه على عامتهم، وهو ما سوف نوضحه في الفقرة التالية.
إننا عندما نقرأ سيرة هذا الرجل، فإننا نجد أن أصل حركته وادعائه للنبوة إنما كان مبنيا على حب السلطة والتملك، ونلمس هذا مبكراً عندما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يدّعي النبوة، فقد روى الإمام البخاري ومسلم عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: قدم " مسيلمة الكذاب " على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يقول: إن جعل لي محمد الأمر من بعده تبعته "، وبعد أن ادّعى النبوة كتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم – كما في مسند أبي عوانة -: " من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، أما بعد، فإني أُشركت في الأمر معك، وإن لنا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض، ولكن قريشاً يعتدون "، ولما كان