تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثانيا: إن ميول الإنسان ومعالم شخصيته تتضح في وقت مبكر من حياته، وهذه الميول تتنامى لتكوّن القالب الذي يميّز الفرد عن غيره، ولنضرب مثلا فلو أن رجلا نشأ في بيت زعامة سياسية، وأبوه أحد أكبر الزعماء في زمانه، يقينا سيتأثر الولد بهذا الجو وستظهر فيه سمات النفس القيادية؛ فالإنسان ابن بيئته كما يقولون. وإذا نظرنا في سيرة الرسول ونشأته لوجدنا أنه قد متواضعاً خفيض الجناح، راعياً للغنم – لا الإبل –، وانظر وتأمل هذا النبي الكريم لما رأى رجلاً مقبلاً يرتعد رهبة منه، فقال له: (هوّن عليك؛ فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد).

وثمة أمر آخر، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم في شبابه ما كان داعياً لنفسه، ولا اشتُهر عنه الشعر – والذي هو أهم وسيلة إعلامية دعائية في ذلك العصر -، ولو كان مريداً ابتداءً للحكم، لهيأ أرضيةً لدعوته بالشعر، ولدعا الناس إلى نفسه.

ثالثا: من المعلوم أن مكة ومن حولها كانت وثنية من جهة، متغلغلة في أوحال الفقر من جهة أخرى، ومرجع الفقر الذي ألمّ بها إلى السياسة التي انتهجها اليهود مع العرب في إغراقهم بالربا، إلى حدٍّ أذلوا بها أعناقهم.

ومن البداهة والحال هذه أن يتّخذ النبي صلى الله عليه وسلم أقصر الطرق للوصول إلى الحكم، بأن يعلنها حرباً على اليهود مستغلاً روح الكراهية التي تنامت في نفوس المكيّين كردّة فعلٍ تجاه هذا الظلم والاستبداد، مع ضرورة السكوت عمّا يثير قومه عليه من ذم الأوثان والأصنام أو النيل من مكانتها.

لكن العجيب في الأمر أن النبي صلى الله عليه وسلم اختار أصعب الطرق وأكثرها وعورة في حياته، لقد كانت مبدأ دعوته هي نبذ الأصنام وتسفيهها، الأمر الذي أدّى إلى كراهية قومه – الذين هم أولى الناس بنصرته – لهذه الدعوة الجديدة، فكان التعذيب له ولأصحابه وتشريدهم عن ديارهم، وكل ذلك يدلّنا أن مقصده لم يكن له علاقة بالتملك والسيطرة، إنما هو في إخراج الناس من عبادة العباد، إلى عبادة رب العباد.

رابعا: إن الملوك المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم ممن هم ساسة للأمم كانوا مدركين لطابع النبوة في شخصيّته، ويتضح هذا من خلال مواقفهم التي اتخذوها تجاه هذه الدعوة الجديدة، واعترافاتهم التي سجّلوها في هذا الصدد، وأقرب مثالين على ذلك، موقف كل من النجاشي وهرقل، أما النجاشي ملك الحبشة، فنحن نعلم ما وصل إليه من حسن سياسة لشعبه وما أداه ذلك من تهافت الناس لسكنى أرضه، ونعلم أيضاً اتصاله بالديانة المسيحية من خلال الأساقفة الذين كانوا بأرضه، وعلى الرغم من ذلك، فلم يفهم من دعوة النبي صلى الله عليه وسلم الرغبة في الزعامة السياسية، بل تجاوز ذلك إلى الإيمان بدعوة هذا النبي، أتراه يذعن لرجل يطمح إلى الزعامة المجردة، في وقت لم يكن ذلك الرجل يملك من أمر نفسه ولا من أمر أصحابه شيئا؟

إن زعيم الحبشة، قد استمع إلى كلام جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم وحقيقة الدين الذي جاء به، فرأى أنوار النبوة تنبثق من سيرته

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٢١٠٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٢١٠٧