تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والحرمان، وهكذا التفّ العرب حوله وانضمّوا تحت لوائه، وقبلوا دعوته التي أتى بها.

ومن المعلوم أن الدعوة التي أتى بها النبي صلى الله عليه وسلم تشمل ما ذكروه من جوانب السياسة والإصلاح، لكن المشكلة تكمن في الاقتصار على هذه الجوانب ونزع الطابع النبويّ منها، وإلباسها ثوباً ماديّا مجرداً.

ولتعرية هذه الآراء المنحرفة وبيان بطلانها، سنقوم بعرض هذه الآراء على الواقع التاريخي وفق ما يقتضيه المنهج العلمي، ثم لننظر هل سيسعفهم ذلك في الوصول إلى رؤيتهم المادية أم لا؟.

هل كان النبي صلى الله عليه وسلم مصلحاً سياسياً؟

أولا: إن اتصاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحزم والثبات، وعدم تقديم أية تنازلات لينفي قطعا مثل هذا الادعاء؛ إذ إن من صفات السياسيين أن يدوروا في فلك مصالحهم الشخصية، وما يقتضيه ذلك من الاتصاف بالمرونة في التنازل عن بعض الثوابت أو شيء من المباديء.

لكن الشأن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على النقيض من ذلك، ولذلك نجد موقفه واضحاً من الأعرابي الذي قدم إليه ليبايعه، كما رواه الحاكم في مستدركه والبيهقي في سننه عن ابن الخصاصية رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبايعه على الإسلام، فاشترط علي: (تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وتصلي الخمس وتصوم رمضان، وتؤدي الزكاة وتحج البيت، وتجاهد في سبيل الله)، قال: قلت: يا رسول الله، أما اثنتان فلا أطيقهما: أما الزكاة فما لي إلا عشر ذود هن رسل أهلي وحمولتهم، وأما الجهاد فيزعمون أنه من تولّى فقد باء بغضب من الله؛ فأخاف إذا حضرني قتال كرهت الموت وخشعت نفسي، قال: فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم يده ثم حركها، ثم قال: (لا صدقة ولا جهاد؟ فبم تدخل الجنة؟؟) قال: ثم قلت يا رسول الله، أبايعك. فبايعني عليهن كلهن ".

كذلك يستوقفنا ما رواه الإمام أحمد وابن حبان وغيرهما عن أبي واقد الليثي رضي الله عنه، أنهم خرجوا من مكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين، يقول الصحابي الجليل: " وكان للكفار سدرة يعكفون عندها، ويعلقون بها أسلحتهم، يقال لها " ذات أنواط "، قال: فمررنا بسدرة خضراء عظيمة، فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى): ﴿اجعل لنا إلها كما لهم آلهة﴾ (الأعراف: 138).

ويتضح من ذلك الموقف وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرضى بالحلول الوسطية، أو الالتقاء في منتصف الطريق، وذلك نابع من طبيعة الهدف الذي بُعث لأجله، إنه رسول من الله تعالى إلى الناس جميعاً، ومهمته هي تبليغ الإسلام إلى الناس كما هو، فليس في يده أن يقبل مناهج مقترحة أو أفكاراً بديلة عن الشرع الإلهي، أو أن يبدل أو يغير شيئا مما أمره الله بتبليغه، وذلك أمر في غاية الوضوح.

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٢١٠٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٢١٠٦