ابن المسبب قال: (فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمزقوا كل ممزق).
وكتب كسرى إلى باذان عامله باليمن أن ابعث من عندك رجلين جلدين إلى هذا الرجل الذي بالحجاز، فليأتياني، بخبره، فبعث باذان قهرمانه – اسمه بابويه، وهو الكاتب الحاسب - ورجلا آخر، وكتب معهما كتابا، فقدما بالمدينة، فدفعا كتاب باذان إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهما إلى الإسلام وفرائصهما ترعد، وقال: (ارجعا عني يومكما هذا حتى تأتياني الغد فأخبركما بما أريد). فجاءاه من الغد، فقال لهما: (أبلغا صاحبكما أن ربي قتل ربه كسرى في هذه الليلة)، لسبع ساعات مضت منها، وهي ليلة الثلاثاء لعشر ليال مضين من جمادى الأولى سنة سبع، وأن الله تبارك وتعالى سلط عليه ابنه شيرويه، فقتله، فرجعا إلى باذان بذلك، فأسلم هو والأبناء الذين باليمن.
ويذكر أن كسرى المعني هو إبرويز بن هرمز، ويؤكد بتلر أن موت كسرى إبرويز حدث في مارس عام 628م، مما يجعل وصول الرسالة قبل موته بشهور توكيداً لرواية الواقدي.
وروى الطبري نص رسالة النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى، وكذلك رواها ابن طولون، وغيرهما، وهو: (بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأدعوك بدعاء الله، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين، فأسلم تسلم، فإن أبيت، فإن إثم المجوس عليك).
المبحث الثالث: كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيصر:
ثبت في الصحيحين أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد كتب إلى هرقل مع دحية بن خليفة الكلبي يدعوه إلى الإسلام. وذلك في مدة هدنة الحديبية، وهو النص الثاني الذي ثبتت صحته وفق شروط المحدثين من بين سائر نصوص الكتب التي وجهت إلى الزعماء، ونصه: (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم. سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين. فإن توليت فعليك إثم الأريسيين. (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا. ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون).
ولعل في إيراد البخاري ومسلم نص خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قيصر ما يشير إلى ترجيحهما للروايات القائلة بتقدم نزول الآية المذكورة، أي قبل تاريخ إرسال هذه الرسالة، وليس في العام التاسع كما ورد في روايات ضعيفة.
وعندما قرأ قيصر رسالة النبي صلى الله عليه وسلم أرسل يبحث عن بعض المتصلين بالنبي صلى الله عليه وسلم، وفضل أن يكونوا من قومه وعشيرته، فعلم بوجود جماعة من التجار فيهم أبو سفيان، فدعاهم لمجلسه مع الترجمان، فقال: (أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟) فقال أبو سفيان: (أنا أقربهم نسبا)، فأدناه منه وقرب أصحابه منه لئلا يستحيوا أن يواجهوه بالتكذيب إن كذب، فأخذ