أكبر جيش قاده النبي صلى الله عليه وسلم في حياته، وكان الرجلان على بعير واحد، والثلاثة على بعير واحد، والحر شديد، والعطش شديد حتى جعلوا ينحرون إبلهم لينفضوا أكراشها، ويشربوا ماءها، فكان ذلك عسرة في الماء، وعسرة في النفقة، وعسرة في الظهر.
قال تعالى: ﴿لقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ (10)، وبلغ المسلمون تبوك فلم يلقوا جموع الروم هناك! ولا وجدوا القبائل العربية المتنصرة، وكأنهم آثروا الاختفاء داخل حدودهم، دون مغامرة قد تكلفهم الكثير! وقد أقام النبي صلى الله عليه وسلم نحوا من عشرين ليلة في تبوك، هابه خلالها أهل المدن المجاورة من قبائل العرب المتنصرة، فجاءوا يصالحونه على الجزية، ودخل في عهد المسلمين يومئذ أهل أيلة وأذرح وجرْباء، وأهداه يومئذ ملك أيلة بغلة بيضاء وبرداً، ثم عاد النبي صلى الله عليه وسلم منصوراً غانماً، وفي طريق العودة إلى المدينة مر المسلمون بديار ثمود الذين غضب الله عليهم لعصيانهم نبيهم وذبحهم الناقة، ولما سارع الناس إلى دخول بيوتهم ومساكنهم البائدة ـ كما يفعل السائحون في زماننا ـ نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، أن يصيبكم ما أصابهم، إلا أن تكونوا باكين، ثم قنع رأسه، وأسرع السير حتى أجاز الوادي، كما نهاهم عن شرب الماء من بئرها أو الوضوء منه، وفي هذا تنبيه للسائحين الذين يذهبون إلى آثار الكفار الذين غضب الله عليهم بقصد النزهة والمشاهدة والاستمتاع والفرح، وربما أكلوا هنالك وشربوا، وضحكوا ولعبوا، وتناولوا صوراً تذكرهم بهذه اللحظات السعيدة في زعمهم، لكن نبينا صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، وقال لا تدخلوا إلا أن تكونوا باكين، وعلل ذلك بقوله: أن يصيبكم ما أصابهم، يعنى خشية أن يصيبكم ما أصابهم من العذاب.
ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وقوبل بحفاوة بالغة، وجاءه المنافقون المتخلفون يعتذرون، فقبل منهم ظواهرهم، ووكل إلى الله سرائرهم وبايعهم واستغفر لهم، ثم جاءه ثلاثة من المؤمنين من أصحابه كانوا قد تخلفوا، فلم يعتذروا كالمنافقين بل أقروا بالذنب، فهجرهم النبي صلى الله عليه وسلم خمسين يوماً حتى أنزل الله توبتهم جزاء صدقهم واعترافهم: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (11).
---------
(1) [التوبة:29].
(2) [التوبة:123]
(3) [التوبة:38 - 39].
(4) [التوبة:79].
(5) [التوبة:81].
(6) [التوبة:49].
(7) [التوبة:43].
(8) [التوبة:97].