تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (3)، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يعد الجيش الذي عرف بجيش العسرة من أجل الظروف العصبية التي صاحبت تجهيزه، وحث أصحابه على الإنفاق حتى قال: من جهز جيش العسرة فله الجنة! فقام عثمان بن عفان رضي الله عنه بتجهيزه ـ وهذا من مناقبه العظيمة ـ وصب يومئذ في حجر النبي صلى الله عليه وسلم ألف دينار، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يردد: ما ضر ابن عفان ما فعل بعد اليوم! فرحاً بنفقته، وأخذ الصحابة رضي الله عنهم يأتي كل بما يستطيعه، حتى الفقراء، كانوا يجودون ـ على استحياء ـ بما يستطيعونه من النفقة رغبة في ثواب الله، ولم يفلت يومئذ الفقراء ولا الأغنياء من ألسنة المنافقين! فقد جعلوا يسخرون من الفقراء ويتهمون الأغنياء بالرياء، وهذا ديدنهم، الغمز واللمز، والتشهير والإرجاف، فأنزل الله في فضح أساليبهم: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (4)، ولم يتوقف دور المنافقين في هذه الغزوة عند اللمز والغمز فقط، بل أعلنوا نفاقهم في جرأة خسيسة، وأخذوا يثبطون المسلمين ويقولون: لا تنفروا في الحر، ﴿وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ (5)، وأخذوا يتوافدون على النبي صلى الله عليه وسلم يعتذرون بأعذار كاذبة، ويستأذنونه في التخلف عن الخروج! ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ (6)، حتى عاتب الله نبيه على الإذن لهؤلاء ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ (7)، ولم يكن النفاق محصوراً في أهل المدينة، بل تعداهم إلى أعراب البوادي، الذين وصفهم الله بأنهم: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ (8)، وذلك لأنهم جمعوا بين قسوة القلب والجهل بالأحكام الشرعية، وهكذا توالت الآيات تكشف سرائر المنافقين، وتحذرهم من كيدهم، حتى عرفت سورة التوبة بالفاضحة! التي فضحت المنافقين.

وأما المؤمنون فقد كان لهم شأن آخر، إذ صدقت نيتهم في الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتسابقوا يعرضون أنفسهم عليه، وبلغ الأمر بالضعفاء المعذورين، الفقراء الذين أعجزتهم النفقة عن الخروج إلى أن بكوا شوقاً للجهاد، وتحرجا أن يكونوا من القاعدين، وفي شأنهم نزل قوله تعالى مسليا ومواسياً: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿91﴾ وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ} (9).

لقد كافأ الله تعالى هؤلاء الذين حسنت نواياهم للخير بأن أجرى لهم ثواب نياتهم الصادقة، لقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم يذكر أصحابه وهم في سفرهم البعيد بهؤلاء الصادقين: (إن بالمدينة أقواماً، ما سرتم مسيراً، ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم!) قالوا يا رسول الله: وهم بالمدينة؟! قال: (وهم بالمدينة! حبسهم العذر!) نعم. إن المرء ليبلغ بنيته مالا يبلغ بعمله، ولهذا قالوا: نية المؤمن أبلغ من عمله، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثين ألفا من أصحابه إلى تبوك، وهو

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٢٠٧٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٢٠٧٤