النبي - صلى الله عليه وسلم - أعذارهم، وأنزل الله آياتٍ في سورة التوبة تفضح أمرهم، وتكشف حقيقة كذبهم، وتنذرهم بالعذاب الأليم.
وانطلق الجيش بقيادة النبي - صلى الله عليه وسلم - نحو الشمال، وفي الطريق مرّوا على ديار ثمود، فسارع بعض المسلمين ليروا مساكنهم، ويقفوا على آثارهم، وبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فدعا الناس ثم قال لهم: (لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، إلا أن تكونوا باكين؛ حذرا أن يصيبكم مثل ما أصابهم)، ثم أمرهم بالإسراع في الخروج، فأخبره الصحابة أن بعضهم قد تزوّدوا بالماء للشرب وصنع العجين، فأمرهم بإراقة ذلك الماء، وإطعام العجين للدواب، إلا أنه استثنى ما أخذوه من بئر ناقة صالح عليه السلام.
وبدأت المعاناة بسبب نقص المياه، وشدّة الحرارة، وقلّة الرواحل، حتى إن البعير الواحد كان يتناوب عليه الجماعة من الرجال، واضطرّ بعضهم إلى أكل أوراق الشجر ونحر الإبل ليشربوا ما في بطونها، وبعد أن بلغ بهم الجهد مبلغاً عظيماً شكوا ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فدعا ربّه بنزول المطر، ولم يكد ينتهي من دعائه حتى أمطرت السماء وارتوى الناس، وكانت هذه المعجزة تثبيتاً للمؤمنين وتخفيفاً لمعاناتهم.
وكان أبو ذرّ الغفاري رضي الله عنه قد تأخّر عن الجيش، فبحث عن راحلةٍ تمكّنه من اللحاق بهم، فلم يجد سوى راحلةٍ هزيلة، فلما أبطأت به وخشي أن يتأخّر، أخذ متاعه وحمله على ظهره، ومشى على قدميه حتى اقترب من الجيش، فرآه أحد الصحابة فقال: " يا رسول الله، هذا رجلٌ يمشي على الطريق "، فقال - صلى الله عليه وسلم -: (كن أبا ذر)، فلمّا تأمّله القوم قالوا: " يا رسول الله، هو والله أبو ذرّ "، فقال عليه الصلاة والسلام: (رحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويُبعث وحده) رواه الحاكم.
وكان ممن تخلف عن الغزو في أوّل الأمر، أبو خيثمة الأنصاري رضي الله عنه، حيث لم يستطع أن يحمل نفسه على الخروج، وفي يومٍ من الأيام دخل بستاناً له، ورأى زوجتيه وهما يعدّان له المكان الظليل والماء البارد، فاستيقظ ضميره، وعاتب نفسه، كيف يجلس في الظلّ والنعيم ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعاني شدّة الحرّ ومشقّة الطريق؟، فندم وأخذ سلاحه وركب دابّته، حتى أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - في تبوك، وذهب إليه معتذراً , فعاتبه النبي - صلى الله عليه وسلم - على ما كان منه، ثم عفا عنه ودعا له بخيرٍ.
وعندما وصل الجيش إلى تبوك، لم يجدوا أثراً للروم أو القبائل الموالية، فبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - سريّةً بقيادة خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى دومة الجندل، وغنموا عدداً كبيراً من المتاع والأنعام، واستطاعوا أن يأسروا ملكها " أكيدر بن كندة "، وأتوا به إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فصالحه على دفع الجزية، ثم أطلق سراحه.
ومكث النبي - صلى الله عليه وسلم - في تبوك عشرين يوماً، يستقبل الوفود التي جاءت للمصالحة ودفع الجزية من أهل " جرباء وأذرح "وغيرهما، وكان منهم وفد