مسلم بكل مظلمة أصابني فيها من مال أو جسد أو عرض "، وفي الصباح سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (أين المتصدق هذه الليلة؟)، فلم يقم أحد، فأعاد النبي - صلى الله عليه وسلم - مرّة أخرى فلم يقم إليه أحد، فشعر علبة رضي الله عنه أنه المقصود بذلك، فقام وأخبره الخبر، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أبشر، فوالذي نفس محمد بيده لقد كُتبت في الزكاة المتقبلة).
واستغلّ المنافقون هذه المواقف المشرّفة للسخرية من صدقات الفقراء، والتعريض بنوايا الأغنياء، وقد كشف القرآن عن خباياهم فقال سبحانه: ﴿الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات، والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر اللّه منهم ولهم عذاب أليم﴾ (التوبة: 79).
كما حاولوا أن يصدّوا الناس عن الخروج، بالترهيب من لقاء العدوّ تارةً، والترغيب في الجلوس والإخلاد إلى الراحة تارةً أخرى، خصوصاً أن الغزوة كانت في وقت شدّة الحرّ وطيب الثمر.
ولم يتوقّف كيد المنافقين عند هذا الحدّ، بل قاموا ببناء مسجد في أطراف المدينة ليكون مقرّاً لهم، يدّبرون فيه المؤامرات للقضاء على الإسلام وأهله، وطلبوا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يصلّي فيه كنوعٍ من التمويه والخداع، لكنّ الله بيّن لنبيّه حقيقة نواياهم، ونهاه عن الصلاة في مسجدهم.
واجتمع مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثون ألف مقاتل من المهاجرين والأنصار وغيرهم من أبناء القبائل العربيّة، ودفع باللواء إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وقام بتقسيم الجيش إلى عددٍ من الألوية، وعيّن على كلٍ منها قائداً، ثم استخلف علي بن أبي طالب رضي الله عنه ليقوم برعاية أهله , فشقّ عليه أن تفوته هذه الغزوة، فذهب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يستأذنه في الخروج، فقال له عليه الصلاة والسلام: (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟، غير أنه لا نبي بعدي) رواه البخاري.
وجاء الفقراء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يطلبون منه أن يعينهم بحملهم إلى الجهاد، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يعتذر بأنّه لا يجد ما يحملهم عليه من الدوابّ، فانصرفوا وقد فاضت أعينهم أسفاً على ما فاتهم من شرف الجهاد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فخلّد الله ذكرهم إلى يوم القيامة، وأنزل فيهم قوله: ﴿ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم، ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون﴾ (التوبة: 91 – 92)، وكانت رغبتهم الصادقة في الخروج سبباً لأن يكتب الله لهم الأجر كاملاً، فقد جاء في صحيح البخاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم؛ حبسهم العذر).
أما المنافقون فقد تخلّف معظمهم عن الغزو، وقاموا بادّعاء الأعذار الكاذبة، فمنهم من اعتذر بعدم القدرة على السفر، ومنهم من اعتذر بقلّة المتاع، ومنهم من اعتذر بشدّة الحرّ، ومنهم من اعتذر بإعجابه بالنساء، وخوف الفتنة بنساء الروم، فقبل