خلال ثمان سنين من هجرتهم، ليستقبلوا أفواج الناس التي أقبلت للدخول في دين الله.
فبعد استقرار الوضع الداخليّ في مكّة، توجّه النبي - صلى الله عليه وسلم – بالنظر إلى الخارج لإكمال مهمّة الدعوة والبلاغ، خصوصاً وأنّ الأنباء كانت قد وصلت إليه أنّ الروم بدأت بحشد قوّاتها لغزو المسلمين، فأراد النبي - صلى الله عليه وسلم – أن يبادرهم بالخروج إليهم، في غزوة عرفها التاريخ باسم " غزوة تبوك ".
وقد جاءت تسمية هذه الغزوة من " عين تبوك " التي مرّ بها المسلمون وهم في طريقهم إلى أرض الروم، وسُمّيت أيضاً بـ" غزوة العسرة " لما اجتمع فيها من مظاهر الشدّة والعسرة، حيث حرارة الجوّ، وندرة الماء، وبعد المكان، وفوق هذا وذاك كان المسلمون يعيشون حالة من الفقر وضيق الحال، وقد أشار القرآن الكريم إلى تلك الحال في قوله تعالى: ﴿لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة﴾ (التوبة: 117).
ونظراً لتلك الظروف الصعبة، استقرّ رأي النبي - صلى الله عليه وسلم - على التصريح بجهة الغزو على غير عادته، وذلك لإدراكه بعد المسافة وطبيعة العدوّ وحجم إمكاناته، مما يُعطي الجيش الفرصة الكاملة لإعداد ما يلزم لهذا السفر الطويل، إضافةً إلى إن وضع الدولة الإسلامية قد اختلف عن السابق، حيث تمكّن المسلمون من السيطرة على مساحاتٍ كبيرةٍ من الجزيرة العربية، ولم يعد من الصعب معرفة وجهتهم القادمة.
وهكذا أعلن النبي - صلى الله عليه وسلم - النفير، وحث الناس على الإنفاق في سبيل الله قائلاً: (من جهّز جيش العسرة فله الجنة) رواه البخاري، فاستجاب الصحابة لندائه، وضربوا أروع الأمثلة في البذل والعطاء، فأما عثمان بن عفان رضي الله عنه فانطلق مسرعاً إلى بيته وأخذ ألف دينار ووضعها بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتكفّل بثلاثمائة بعير بكامل عدّتها، فاستبشر النبي - صلى الله عليه وسلم - من فعله وقال: (ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم) رواه الترمذي.
وحاول عمر بن الخطاب أن يسبق أبا بكر فأتى بنصف ماله، وإذا بأبي بكر رضي الله عنه يأتي بكل ما عنده دون أن يُبقي لأهله شيئاً، فقال عمر رضي الله عنه: " والله لا أسابقك إلى شيء أبداً ".
وتصدّق عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه بألفي درهم، إلى جانب الصدقات العظيمة التي قدّمها أغنياء الصحابة كالعباس بن عبد المطلب، و طلحة بن عبيد الله، و محمد بن مسلمة، و عاصم بن عدي، رضي الله عنهم أجمعين.
وكان لفقراء المسلمين نصيبٌ في الصدقة، حيث قدّموا كل ما يملكون في سبيل الله مع قلّة ذات اليد، فمنهم من أتى بصاعٍ من تمر، ومنهم من جاءّ بنصف صاعٍ أو أقلّ.
ووقف علبة بن زيد رضي الله عنه ينظر إلى جموع المسلمين، وهي تتسابق على الإنفاق والصدقة، والحسرة تملأ فؤاده حيث لم يجد ما يتصدّق به، فلما جاء الليل وقف يصلّي ويبكي، ثم رفع يديه إلى السماء وقال: " اللهم إنك قد أمرت بالجهاد، ورغّبت فيه، ثم لم تجعل عندي ما أتقوّى به مع رسولك، وإني أتصدّق على كل