تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

طريقهم إلى حنين حين مروا بشجرة تعرف بذات أنواط، كان المشركون يعلقون عليها أسلحتهم. لم يترددوا أن قالوا: يا رسول الله: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط! فاستنكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وقال: الله أكبر! قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف:138] والذي نفسي بيده لتركبن سنن من كان قبلكم.

إن مقالتهم هذه تبين عدم وضوح منهج التوحيد في نفوسهم، وعدم تمكن العقيدة الصحيحة من قلوبهم. إنهم بعد لم يتشربوا معاني الإسلام، ولم تخالط قلوبهم بشاشة الإيمان، على أن رسول الله صلى لله عليه وسلم لم يعاقبهم ولا عنفهم، بل عذرهم لحداثة عهدهم، وبهذه الجوانب الثلاثة من الخلل الذي وقع في صفوف المسلمين، وهم في طريقهم إلى لقاء المشركين خلل في الأهداف والتصورات، وخلل في الإيمان والتوكل، وخلل في التوحيد والعقيدة.

وصل المسلمون إلى وادى حنين، الذي سبقهم إليه مالك بن عوف ورجاله، فاحتلوا مضايقه وانبثوا في شعابه، وتهيئوا لاستقبال المسلمين وعند دخول المسلمين الوادى حملوا على هوازن فانكشفوا، فأكب المسلمون على ما تركوه من غنائم! فلما تكاثرت فرق المسلمين في الوادى لم يشعروا إلا بالسهام تتساقط عليهم من كل مكان وكان ضوء النهار بعد لم ينتشر إذ الوقت فجراً فحملت كتائب العدو عليهم حملة رجل واحد فانتشرت موجة من الفزع، وجعل الناس يفرون لا يلوى أحد على أحد ونظر بعض الطلقاء من زعماء مكة إلى هزيمة المسلمين بتشف وفرح! ورجع بعضهم إلى إظهار الكفر بالله ورسوله، وعظمت الفتنة! وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبت معه نفر من أصحابه وآل بيته، وكان على بغلته الشهباء والعباس عمه وأبو سفيان بن الحارث يمسكان بعنانها، وهو يدفعها ويقول: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم عمه العباس ـ وكان جهورى الصوت ـ أن ينادى على الناس يا أصحاب الشجرة ـ لأهل بيعة الرضوان ـ يا معشر الأنصار، فأسمع من في الوادى فتلاحقوا نحوه وجعلوا يقولون لبيك لبيك حتى صاروا ثمانين أو مائة، فقاتلوا هوازن، وبدأت جولة جديدة مليئة بالشجاعة والصدق والعزيمة والإيمان وحسن التوكل، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يستغيث بربه، حتى إذا غشيه الأعداء نزل عن بغلته يمشى فلما رأى الفاروق ذلك من المسلمين وسمعوا نداءات العباس جعلوا يرددون لبيك لبيك واشتد القتال من جديد وقال النبي صلى الله عليه وسلم الآن حمى الوطيس، وأخذ تراباً فرمى به وجوه الكفار وقال: شاهت الوجوه، انهزموا ورب الكعبة.

ولم تصمد هوازن وثقيف طويلاً حتى فروا تاركين وراءهم كل شيء! من القتلى، والجرحى، والنساء، والأولاد، والعبيد، والأموال واعتصم بعض المنهزمين بناحية يقال لها أوطاس فتبعهم المسلمون وهزموهم شر هزيمة واستمر القتل يومئذ بالمشركين، حتى قتل أبو طلحة وحده عشرين رجلاً منهم، وفر كثير من المنهزمين إلى الطائف للتحصن في حصونها المنيعة وأنزل الله التوجيه والعبرة من هذا الموقف: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ﴿25﴾ ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٢٠٦٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٢٠٦٢