تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كل هذا - وغيره كثير - يدل دلالة واضحة على أن الجهاد في أصله ليس إلا ممارسة لوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن الوظيفة الأساس من الجهاد، والهدف المرام من تشريعه، دعوة الناس إلى الدين الحق، وضمان حريتهم في اعتناق هذا الدين.

===============

غزوة حنين

لما فتحت مكة، وسقطت الزعامة القرشية، وبادت دولة الأوثان، فتح العرب أعينهم فإذا هم أمام الأمر الواقع، حتى خيل لهم أن النصر معقود بألوية الإسلام فما ينفك عنها، وراح الناس يدخلون في دين الله أفواجا، غير أن هوزان وثقيفاً كانت أكبر القبائل العربية بعد قريش، وأقربها من مكة، أدركتهما حمية الجاهلية، وأبوا إلا المواجهة، واجتمع أشرافهم وتشاوروا، ثم اجتمعوا على المسير لقتال المسلمين قبل أن تتوطد دعائم الفتح، ويتحرك المسلمون لاستئصال ما بقى من معالم الوثنية.

واجتمعت رؤساء هوزان وثقيف، وما جاورها من قبائل أمكنهم حشدها على مالك بن عوف، وكان فارساً شجاعاً، إلا أنه كان سقيم الرأى، سيئ المشورة، حيث أمر قومه أن يأخذوا نسائهم وأولادهم وأموالهم معهم ليستشعر كل رجل وهو يقاتل أن ثروته وحرمته وراءه فلا يفر عنها. وأصر مالك على خطته ولم يعبأ باعتراض أصحاب الرأي والمشورة، والذين رأوا أن إخراج النساء والأموال عبث لا طائل من ورائه إلا الفضيحة، وكأن خطة مالك بن عوف مما دبره الله عز وجل لنبيه، ومما أكرم به حزبه من الغنيمة، فقد تبسم النبي صلى الله عليه وسلم حين عرف خروج هوازن عن بكرة أبيها بظعنهم ونعمهم وشأنهم، وقال: تلك غنيمة المسلمين غداً إن شاء الله، وبعد جمع المعلومات العسكرية المطلوبة، خرج المسلمون بجيشهم الذي فتح مكة، بالإضافة إلى الطلقاء من أهل مكة، وكانوا حدثاء عهد بالشرك، ووصل الجيش الكبير الذي بلغ اثنى عشر ألفا إلى وادى حنين الذي يعرف الآن بالشرائع في مدخل مكة من جهة الطائف.

ولقد اعتاد المسلمون أن يُنصروا بإيمانهم، وتوكلهم ويقينهم وصبرهم. إنها معان قلبية تشعرهم دائماً بالحاجة إلى ربهم، وأنه لا حول لهم ولا قوة إلا به، فيصْدقُون اللجوء إليه، ويعلقون آمالهم عليه، وينزلون حاجتهم به، في ذل ومسكنة، وفقر وخضوع، فما هي إلا ساعة ويأتى النصر رغم القلة في العدد والنقص في السلاح، لكنهم اليوم يخرجون في زهو وفخر، وكأنهم واثقون بالنصر، ثم هم كثير، حتى قال قائلهم: لن نهزم اليوم من قلة! لقد كان لهذه الثقة الزائدة، والركون إلى الأسباب، وملاحظة التفوق المادى والمعنوي، آثار خطيرة دفع المسلمون ثمنها، وتحملوا تبعاتها، ليس هذا فقط، بل إن خروج الطلقاء من أهل مكة الذين لم يترسخ الإيمان في قلوبهم جعلهم يلاحظون الغنيمة أكثر من أي شيء آخر. إن أكثرهم لا يشعرون أنهم أصحاب قضية أو مبدأ، بل إن بعضهم وإن أسلم تحت ضغط الواقع لا مانع عنده أن يعود إذا تغير هذا الواقع، وقبل هذا وذاك فإن أكثر هؤلاء الطلقاء لم يتخلصوا بعد من رواسب الجاهلية التي استقرت في أعماقهم أزماناً، وتحكمت في حياتهم حتى ليصعب عليهم نسيانها دون جهد تربوى لم يكونوا بدءوه بعد، لذلك لم يترددوا وهم في

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٢٠٦١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٢٠٦١