والتحم الجيشان وحمي الوطيس، واقتتلوا قتالا شديداً، وقتل أول قادة المسلمين زيد بن حارثة رضي الله عنه، مقبلاً غير مدبر، فأخذ الراية جعفر بن أبي طالب بيمينه، وأخذ ينشد:
يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها
والروم روم قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها
علي إن لاقيتها ضرابها
فقطعت يمينه رضي الله عنه، فأخذ الراية بشماله فقطعت، فاحتضنها بعضديه حتى قتل رضي الله عنه، فأخذ الراية عبد الله بن رواحة رضي الله عنه، ثم تقدم بها على فرسه فجعل يستنزل نفسه، ويقول:
أقسمت يا نفس لتنزلن لتنزلن أو لتكرهنه
إن أجلب الناس وشدوا الرنة ما لي أراك تكرهين الجنة
قد طال ما قد كنت مطمئنة هل أنت إلا نطفة في شنة
وقال أيضا:
يا نفس إلا تقتلي تموتي هذا حمام الموت قد صليت
وما تمنيت فقد أعطيت إن تفعلي فعلهما هديت
ولما نزل أتاه ابن عم له بقطعة لحم، فقال: اشدد بها صلبك، فإنك قد لقيت أيامك هذه ما لقيت، فأخذه من يده، فنهش منه نهشة، ثم سمع تدافع الناس للقتال فقال: وأنت في الدنيا! ثم ألقاه من يده، وأخذ سيفه، فتقدم فقاتل حتى قُتل، ثم أخذ الراية ثابت بن أرقم بن ثعلبة الأنصاري فقال: يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم، فقالوا: أنت فقال: ما أنا بفاعل، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد.
وقد سارع الوحي إلى إبلاغ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحداث المعركة، فعن أنس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى زيدا و جعفرا و ابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم فقال: (أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب - وعيناه تذرفان - حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله، حتى فتح الله عليهم) رواه البخاري.
وبعد أن استلم الإمرة خالد أراد أن ينقذ الجيش الإسلامي بطريقة تحفظ له كيانه وتبقي هيبته، وقدّر أن الحل يكمن بالانسحاب بعد إرهاب العدوّ وإيهامه بوصول إمدادات جديدة، فصمد حتى الليل واستغلّ الظلام ليغيّر مراكز المقاتلين، وحوَّل الميسرة ميمنة، والميمنة ميسرة، والمؤخرة مقدمة والعكس، وطلب من خيّالة المسلمين اصطناع غبارٍ وجلبة قويّة، فظن الروم أن المسلمين جاءهم مدد، فخارت عزائمهم، واشتدّ عليهم المسلمون حتى يقول خالد رضي الله عنه: لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية، وهكذا نجح خالد في العودة بالجيش إلى المدينة بأقلّ خسارة ممكنة، وقُتل من الروم خلقٌ كثير لا يُعرف عددهم وكان في ذلك نصرٌ كبير للإسلام والمسلمين.
ولما وصل خالد إلى المدينة، أخذ بعض المسلمين في عتاب من فرّ في بداية المعركة، فخشي أولئك من غضب الله ورسوله حتى همّوا أن يركبوالبحر، ثم قالوا: لو عرضنا أنفسنا على رسول الله، فإن كانت لنا توبة وإلا ذهبنا، فأتوه قبل صلاة الغداة