وسلم، فاشتدّ ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ كان هذا هو أول رسولٍ له يُقتل على خلاف ما جرت العادة من إكرام الرسل وعدم التعرّض لهم.
فدعا النبي صلى الله عليه وسلم الناس للخروج ومقاتلة الروم حتى يضع حداً لهذه التصرّفات الهمجية ولأجل تأديبهم، وسرعان ما اجتمع عند النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة آلاف مقاتل، فعقد الراية لثلاثة منهم وجعل إمرتهم بالتناوب، فقال صلى الله عليه وسلم: (إن أصيب زيد بن حارثة فجعفر بن أبي طالب فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة) رواه البخاري ومسلم، فتجهّز الناس وخرجوا، وكان ذلك يوم الجمعة من السنة الثامنة للهجرة النبوية، فلما ودّع الناس أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسلّموا عليهم، بكى عبد الله بن رواحة فقالوا: ما يبكيك يا ابن رواحة فقال: " أما والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار: ﴿وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا﴾ (مريم: 71) فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود؟ ".
فقال المسلمون: " صحبكم الله، ودفع عنكم، وردّكم إلينا صالحين، فأجابهم عبد الله بن رواحة:
لكنني أسأل الرحمن مغفرة وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا
أو طعنة بيدي حران مجهزة بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا
حتى يقال إذا مروا على جدثي أرشده الله من غاز وقد رشدا
وأوصى النبي صلى الله عليه وسلم صحابته قائلاً: (اغزوا باسم الله وفي سبيل الله، وقاتلوا من كفر بالله. اغزوا ولا تغدروا، ولا تغلوا ولا تمثّلوا، ولا تقتلوا وليدا ولا أصحاب الصوامع) رواه أحمد وغيره من أصحاب السنن.
وسار المسلمون حتى نزلوا معانا - اسم قرية - من أرض الشام، فبلغهم أن هرقل قد نزل مآب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم، وانضم إليه مائة ألف أخرى من القبائل العربية الموالية له كلخم، وجذام، وبلقين، وبهراء، فاجتمع لهرقل مائتي ألف مقاتل، فعقد المسلمون مجلسا للتشاور، فقال بعضهم: نكتب للنبي صلى الله عليه وسلم نخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدنا بالرجال، وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له، وقال آخرون: قد وطئتَ البلاد وأخفتَ أهلها، فانصرف؛ فإنه لا يعدلُ العافية شيء. و عبد الله بن رواحة رضي الله عنه ساكت، فسأله زيد عن رأيه فقال: يا قوم والله إن الذي تكرهون للذي خرجتم له تطلبون الشهادة، ما نقاتل الناس بعدد، ولا عدة، ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين، إما ظهور، وإما شهادة، فقال الناس: صدق والله ابن رواحة، فمضوا حتى إذا قاربوا البلقاء - منطقة بالشام -، لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب بقرية يقال لها مشارف، فدنا العدو وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها: مؤتة وتسمى اليوم بالكرك، فالتقى الناس عندها، فتجهز المسلمون وجعلوا على ميمنة الجيش قطبة بن قتادة رجل من بني عذرة، وعلى الميسرة أنصاريٌّ يقال له عبادة بن مالك