فخرج فقال: (من القوم)؟ فقالوا: نحن الفرارون فقال: (لا، بل أنتم الكرارون، أنا فئتكم وأنا فئة المسلمين) فأتوه وقبلوا يده الشريفة.
هذه هي غزوة مؤتة تكاد تتفجر عظة وعبرة، فما إن يقرأ القارئ هذه الأحداث إلا ويجد الإعجاب قد عقد لسانه، فأي بشر هؤلاء، يقفون بجيش قوامه ثلاثة آلاف مقاتل أمام جيش هائل قوامه مائتي ألف مقاتل، إن تصورا سريعا للقوتين ليعطي نتائج حاسمة بانتصار الجيش الكبير على الجيش المقابل، ومع ذلك يتقدم المسلمون على قلة عددهم، وضعف عُدَدَهِم - آلة الحرب - ليضربوا أعظم صور التضحية والفداء، بل ولينتصروا على ذلك العدو، في أعظم مهزلة يتعرض لها جيش الإمبراطورية الرومانية، إن غزوة مؤتة بكل المقاييس العسكرية معجزة من المعجزات، وكرامة من الكرامات، لقد وضعت معركة مؤتة القاعدة العسكرية الإسلامية في مواجهة العدو، فنحن لا نقاتل بعدد ولا عدة ولكن نقاتل بهذا الدين، فإذا تمحض قتالنا نصرة لدين الله، وقمنا - ما استطعنا - بما أوجبه الله علينا من الأخذ بالأسباب الظاهرة، كان النصر حليفنا بإذن الله.
إن ما يتمتع به المسلم من حب البذل والتضحية بالنفس والمال في سبيل هذا الدين نابع من إيمانه بالله ويقينه بما عنده، فهل تُحيا في الأمة هذه البسالة، وهل نستخلص من غزوة مؤتة - خاصة - وتاريخ المسلمين الجهادي - عامة - دروسا تزرع التضحية والفداء في قلوب فتيانه حتى يعود للأمة سابق مجدها وغابر عزها.
=================
غزوة مؤتة
في العام الثامن الهجري، أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحارث بن عمير الأزدي
-رضي الله عنه- إلى أمير بُصرى؛ ليدعوه وقومه إلى الإسلام، فطغى أمير بصرى وأتباعه، وقتلوا هذا الصحابي الجليل، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون من هذا الغدر وهذه الخيانة، وجهز جيشًا من ثلاثة آلاف جندي؛ لتأديب هؤلاء القوم، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة قائدًا على الجيش، فإن قتل فجعفر بن أبي طالب، فإن قتل فعبد الله بن رواحة. [البخاري]
وانطلق الجيش حتى بلغ الشام، وفوجئ المسلمون بأن جيش الروم يبلغ مائتي ألف مقاتل، فكيف يواجهونه بثلاثة آلاف مقاتل لا غير؟
وقف عبد الله بن رواحة الأسد، يشجع الناس ويقول لهم: يا قوم والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون .. الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، وما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به. فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور (نصر) وإما شهادة.
فقال الناس: قد والله صدق ابن رواحة. فمضى الناس، وقد امتلأت قلوبهم ثقة بالله -سبحانه-.
ورغم هذا الفارق الكبير في العدد، حيث إنَّ كل مسلم منهم يواجه وحده حوالي سبعين مشركاً، فقد دخلوا في معركة حامية وهم مشتاقون إلى الشهادة، والموت في سبيل الله.