تربية المجاهدين:
وحين يكون القتال منطلقاً من شهوة القتال، بعيداً عن الهدف، فسيكون وبالاً على صاحبه، وما أحوج أبناء الدعوة والحركة أن يفقهوا هذه المعاني، وأن يفقهوا أن حمل السلاح وإلقاءه، ليس اندفاعاً ذاتياً، ليس حمله تهوراً وشجاعة فائقة، وليس إلقاؤه جبناً أو ضعفاً أو تخاذلاً. إن حمل السلاح وإلقاءه مهمة شرعية تنفذ بقرار الأمير بالقناعة الشخصية: (وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انتهى إلى حصن ناعم وصف أصحابه نهى عن القتال حتى يأذن لهم، فعمد رجل من أشجع فحمل على يهودي، وحمل عليه مرحب فقتله، فقال الناس: يا رسول الله استشهد فلان! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أبعد ما نهيت عن القتال؟) فقالوا: نعم. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم منادياً ينادي: (لا تحل الجنة لعاص). ثم أذن الرسول صلى الله عليه وسلم في القتال وحث عليه).
فهذا قاتل في ظاهر الأمر وقتله اليهودي، ولكنه قاتل بعد النهي عن القتال فحرمت الجنة عليه وهو مسلم عريق في الإسلام.
إن التزام أمر القائد المسلم دين يلقى الله تعالى الجندي المسلم عليه: (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن عصى الأمير فقد عصاني).
q والتزام الأمر في كل شيء وليس في القتال فقط أو الكف عنه: وروى الحارث بن أبي أسامة عن أبي أمامة والبيهقي عن ثوبان رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في غزوة خيبر: (من كان مضعفاً [أي: كان جمله ضعيفاً] أو مصعباً [أي: من كان جمله صغيراً لم يدرب بعد] فليرجع) وأمر بلالاً فنادى بذلك، فرجع الناس وفي القوم رجل على صعب فمر الناس وفي القوم رجل على صعب فمر من الليل على سواد فنفر به فصرعه، فلما جاؤوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما شأن صاحبكم؟)، فأخبروه فقال: (يا بلال ما كنت أذنت في الناس من كان مضعفاً أو مصعباً فليرجع)، قال: نعم، فأبى أن يصلى عليه. زاد البيهقي: وأمر بلالاً فنادى في الناس: (الجنة لا تحل لعاص) ثلاثاً.
فالأمر يطاع في الكف عن القتال أو في استعمال آلته. أو في الإذن فيه، أو في مواجهة العدو، وأي مخالفة شخصية هي معصية قد تحول بين الجنة وبين المجاهد.
واستجاب المسلمون لنداء رسول الله صلى الله عليه وسلم رغم ما بهم من الجوع والفاقة، فهم لا يجدون ما يأكلونه، وعليهم أن يمضوا لحرب ضروس، لا يعلم إلا الله مداها، وهم ماضون إلى موعود الله في أن يعطيهم غنائم خيبر، لكن متى؟ وكيف؟ فعلمها عند الله.
q وها هم يحاصرون، ويشتد جوعهم، ويشتد تعبهم وإرهاقهم حتى ليضطروا إلى إعلام الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان الإعلام من أسلم، وأسلم على الجيش الإسلامي، وما يملك لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الدعاء: (والله ما بيدي ما أقويهم به، قد علمت حالهم وأنهم ليست لهم قوة) ثم قال: (اللهم افتح عليهم أعظم حصن فيها، أكثرها طعاماً، وأكثرها ودكاً).