ومن الطريف أن يقتل اليهود وهم يدافعون في حصونهم المنيعة ثلاثة وتسعون رجلاً بينما ينال الشهادة من المسلمين، والذين يهاجمون في ساحات مكشوفة، خمسة عشر رجلاً! أو عشرون على أقصى تقدير!! فلا نامت أعين الجبناء.
وفي هذه الغزوة أهدت امرأة يهودية شاة مسمومة للنبي صلى الله عليه وسلم وأكثرت السم في الذراع لما علمت أنه يحبها! فتناول النبي صلى الله عليه وسلم ذراع الشاة فأخبرته أنها مسمومة! وهذا من علامات نبوته صلى الله عليه وسلم، ومن حفظ الله له وعصمته من الناس، وقد دعا النبي المرأة وسألها فاعترفت ولم يعاقبها! حتى مات بشر بن معرور وكان قد أكل من الشاة مع النبي صلى الله عليه وسلم فقتلها به.
وفي هذه الغزوة أيضاً وقعت صفية بنت حيى بن أخطب سيد بني النضير في الأسر فأعتقها النبي صلى الله عليه وسلم وتزوجها وجعل عتقها صداقها، وقد أسلمت وشرفت بأمومة المؤمنين، وفيها أيضاً حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم نكاح المتعة، وهو نكاح لأجل، وقد كان حلالا في الجاهلية، واستعمل في بدء الإسلام حتى حرمه النبي صلى الله عليه وسلم على التأبيد، وقيل بل كان تحريمه عام الفتح، وأيا ما كان، فالمتعة محرمة بنصوص الوحي.
وعند عودة المسلمين من خيبر رجع من الحبشة المهاجرون إليها منذ عشر سنين، وفيهم أم حبيبة أم المؤمنين، وجعفر بن أبي طالب ـ وقدم معهم الأشعريون ـ قوم أبي موسى ـ وبعدهم الدوْسيون ـ قوم أبي هريرة ـ وقد عاد فتح خيبر على المسلمين بالخير الكثير، وعزز مكانتهم الإقتصادية، حتى قال ابن عمر رضي الله عنهما: " ما شبعنا حتى فتحنا خيبر
==============
غزوة خيبر دروس وعبر
لم يبد يهود خيبر عداء سافراً للمسلمين حتى لحق بهم زعماء بني النضير عندما أجلوا عن المدينة. وكما سبق وأن ذكرنا فقد كان أبرز زعماء بني النضير الذين غادروا المدينة ونزلوا خيبر: سلام بن أبي الحقيق وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب، فلما نزلوها دان لهم أهلها.
لقد نزلوا بأحقادهم ضد المسلمين، ولذا كانوا كلما وجدوا فرصة للانتقام من المسلمين انتهزوها، ووجدوا في قريش وبعض قبائل العرب حصان طروادة الذي سيدخلون به المدينة مرة أخرى، فألبوهم ضد المسلمين، ثم جروهم إلى غزوة الخندق، وسعوا في إقناع بني قريظة للانضمام إليهم والغدر بالمسلمين. ولذا كانت تلك العقوبة الرادعة التي أنزلها المسلمون بهم عندما صرف الله الأحزاب، وأرسل الرسول صلى الله عليه وسلم سرية عبد الله بن عتيك للقضاء على رأس من رؤوسهم أفلت من العقاب يوم قريظة، وهو سلام ابن أبي الحقيق، فقتلوه.
وكانت هدنة الحديبية فرصة أمام المسلمين لتصفية هذا الجيب الذي يشكل خطورة على أمن المسلمين، وقد وعد الله المسلمين بمغانم كثيرة يأخذونها إذا هزموا يهود خيبر، وإلى ذلك أشارت سورة الفتح التي نزلت في طريق العودة من الحديبية (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة، فعلم ما في قلوبهم، فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً، ومغانم كثيرة يأخذونها، وكان الله عزيزاً حكيماً،