تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأول لليهود، لموقعه المتميز ومكانته العسكرية، وقد دار القتال حوله أياما، واستشهد تحته محمود بن مسلمة أخو محمد بن مسلمة الفارس المعروف، وكان ذلك في شدة الحر وقد أصابت الناس مخمصة شديدة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لأعطين الراية غدأ رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه! فبات الناس يتساءلون ويختلفون أيهم يُعْطاها، فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلهم يستبشرون لذلك، لا رغبة في المنصب والجاه وإنما طمعا في الوصف الذي وصف به النبي صلى الله عليه وسلم هذا الفاتح أنه: يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله! فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً رضي الله عنه وكان يشتكي عينيه، فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه ودعا له، فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع، ثم أعطاه اللواء وقال له: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام وما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم! وفي هذا التوجيه ما يؤكد حرص المسلمين على نشر الدين وهداية الناس إلى الحق وأن هداية رجل واحد إلى الحق أفضل من أنْفس أموال الدنيا وكأن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يصرف نفوس أصحابه عن التطلع إلى الغنائم العاجلة التي تتضمنها ثروات اليهود الهائلة فيما لو هزموا.

ويخرج من حصن اليهود فارسهم المقدام، وبطلهم الهمام الذي يدعي مرحبا، يختال في مشيته ويخطر بسيفه، ويرتجز ليهزم معنويات المسلمين:

قد علمت خيبر أني مرحب شاكي السلاح بطل مجرب

إذا السيوف أقبلت تلهب أطعن أحيانا وحينا أضرب

فبرز إليه على رضي الله عنه وهو يقول:

أنا الذي سمتنى أمى حيدره كليث غابات كريه المنظره

أوفيهم بالصالح كيل السندره!

فاختلف هو وعلى ضربتين، فضربه علىَّ على رأسه ضربة كان فيها حتفه! حتى عض السيف بأضراسه، وسمع أهل المعسكر صوت ضربته، مما أثر سلبياً على معنويات اليهود، ومن ثم كانت هزيمتهم، وكان الفتح على يد على رضي الله عنه، ثم تتابع النصر للمسلمين وجعلوا يفتحون حصناً بعد حصن، كلما فتحوا حصناً انتقل مَن فيه مِن اليهود فراراً إلى الحصن الذي بعده، حتى انهارت معنوياتهم، وخمدت مقاومتهم، واختبئوا في آخر حصونهم فحاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم أربعة عشر يوما حتى طلبوا الصلح على أن تُحقن دماؤهم وأن يخرجوا من أرض خيبر بذريتهم، ولا يصطحب الواحد منهم إلا ثوبه على ظهره، فوافق لهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، وسقطت خيبر بيد المسلمين، وتتابعت بعدها سائر المعاقل اليهودية المجاورة، وغنم المسلمون المغانم الكثيرة التي وعدهم الله بها، ثم جاءت يهود تعرض على النبي صلى الله عليه وسلم أن يعملوا في زراعة الأرض ولهم النصف من ثمرها، فقبل النبي صلى الله عليه وسلم لموافقة ذلك لمصالح المسلمين الذين لم يكن عندهم وقت للتفرغ للزراعة، على أنه قال لهم: (إن شئنا أن نخرجكم أخرجناكم!).

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ١٩٨٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ١٩٨٣