صحابته الكرام. وكانت العمرة تمهيداً لفتح مكة فيما بَعْدُ. وبيان ذلك: أن مشاهدة قريش للعدد الوفير من الأنصار والمهاجرين وهم محدقون برسول الله صلى الله عليه وسلم في طوافهم وسعيهم وباقي مناسكهم، وما كانوا عليه من حماس ونشاط، لم يكن يتوقعه المشركون، أقول: كان لذلك أبلغ الأثر في نفوسهم، فقد داخلتها الرهبة والهيبة للمسلمين، إذ فوجئوا بأمر لم يكونوا يألفوه، بل لم يكونوا يتوقعوه، يُرشد لهذا المعنى ما رواه مسلم في "صحيحه" عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المشركين لما رأوا رمَل المسلمين (والرَمَل هو الإسراع في المشي مع مقاربة الخُطا) حول الكعبة قال بعضهم لبعض: "هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم؟! هؤلاء أجلد من كذا وكذا". فلا جرم أن كان لعمرة القضاء - بالشكل الذي تمت به - أثر بالغ في نفوس المشركين، مهَّد لفتح مكة فيما بَعْدُ.
ومن الدلالات التي نخرج بها من هذا الحدث أهمية إعداد المسلمين في كل عصر ومصر للقوة اللازمة، القوة المعنوية والقوة المادية على حد سواء، وإبرازها في الوقت المناسب ليكون للمسلمين هيبة ورهبة في قلوب أعدائهم المتربصين بهم.
==========
غزوة خيبر
لم يهدأ يهود خيبر عن الكيد ضد الإسلام، فكوَّنوا جبهة معادية للمسلمين، واستمالوا قبيلة غطفان والأعراب المجاورين لهم في شمال المدينة، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم على رأس جيش لتأديبهم والقضاء على خطرهم. وكانت تلك الموقعة الرابعة بين المسلمين واليهود، فالأولى كانت مع يهود بني قينقاع، والثانية مع بني النضير، والثالثة مع بني قريظة.
وبينما كان المسلمون يسيرون في الطريق إلى خيبر، أخذ عامر ابن الأكوع ينشد ويقول:
اللهمَّ لولا الله ما اهتدينا
ولا تصدقنا ولا صلينا
فاغفر فداءً لك ما اقتفينا
وثبِّتِ الأقدامَ إن لاقينا
وألَقينْ سكينة علينا
إنا إذا صيح بنا أَتينا
وبالصَّباح عَوَّلوا علينا
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من هذا السائق؟ " قالوا: عامر بن الأكوع. قال: يرحمه الله. [متفق عليه].
وأراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقسم جبهة الأعداء المؤلفة من اليهود وغطفان، فأوهم غطفان أن الهجوم متجه إليها، فرجعوا إلى ديارهم بعد أن خرجوا لينضموا إلى اليهود في خيبر. وهكذا نجحت خطة النبي صلى الله عليه وسلم في عزل اليهود عن حلفائهم المشركين.
فلما أشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم على خيبر قال لأصحابه: فقوا. ثم تضرع إلى الله بهذا الدعاء: "اللهمَّ رب السماوات وما أظللن، ورب الأرضين وما أقللن،