ومرت الأيام، وأحاط الجوع بقريش، واحتاجت إلى القمح، فأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسألونه أن يأمر ثمامة بإرسال القمح إلى قريش، ورغم أن قريشًا حاصرت الرسول وقومه في شِعب أبي طالب ثلاث سنوات، وأذاقوهم عذاب الجوع، إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قابل الإساءة بالإحسان ورفض تعريض قريش للجوع، وأمر ثمامة أن يبيع لهم القمح.
غزوة بني لحيان
لكي لا يتجرأ الكفار على المسلمين خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر شعبان يريد بني لحيان، وقد أظهر أنه متوجه إلى الشام؛ ليفاجئ القوم ولينتقم من الذين غدروا بأصحابه يوم الرجيع، فلما سمعت هذه القبائل الغادرة بمقدمه هربت إلى الجبال، ومكث المسلمون يومين، وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض فرسانه قريبًا من مكة؛ لتسمع بهم قريش، وليعلموا بما حدث فيزدادوا خوفًا ورعبًا من المسلمين، ثم عاد المسلمون إلى المدينة.
=============
صلح الحديبية
في العام السادس من الهجرة، وفي شهر ذي الحجة، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة متوجهًا إلى بيت الله الحرام في مكة المكرمة، وخرج معه المهاجرون والأنصار ومن لحق بهم من العرب، وليس معهم من السلاح إلا السيوف، وقد ساقوا معهم الهدي (الذبائح)؛ ليظهروا حسن نيتهم ويُعْلِموا أهل مكة أنهم جاءوا حاجين إلى البيت وزائرين له، ولم يأتوا لحرب أو قتال، بل لأداء العمرة.
ووصل الخبر بمسير الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مكة، فإذا بقريش تفور من الغضب والغيظ، فكيف يتجرأ المسلمون على المجيء إليهم، ودخول مكة بهذه السهولة؟! فلا بد من صدِّهم ومنعهم من دخولها، وتعاهدوا على ألا يدخلها النبي صلى الله عليه وسلم والذين معه، وخرجت خيلهم يقودها خالد بن الوليد؛ لمنع الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من دخول مكة.
وتعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم من وقوف قريش في وجه من قصد زيارة الكعبة، فقال: (أشيروا علي أيها الناس) فقال أبو بكر: يا رسول الله خرجت عامدًا لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد، فتوجه له، فمن صدنا عنه قاتلناه. فقال صلى الله عليه وسلم: (امضوا على اسم الله) وعقد العزم على الجهاد، ولكنه لم يرد الصدام مع قريش، فقال صلى الله عليه وسلم: (من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها) فقال رجل: أنا
يا رسول الله. فسلك بالمسلمين طريقًا غير الذي خرجت إليه جيوش المشركين._[ابن إسحاق].
وبينما رَكْبُ الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه يسير بأمر الله تعالى بركت الناقة التي يركبها الرسول صلى الله عليه وسلم في مكان قريب من مكة يسمى الحديبية، فقال الصحابة: خلأت القصواء (اسم ناقة الرسول صلى الله عليه وسلم) خلأت القصواء .. فقال صلى الله عليه وسلم: (ما خلأت القصواء وما ذلك لها بخلق، لكن حبسها حابس الفيل) _[البخاري] وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى