لا يريد له دخول مكة، ولا الصدام مع قريش في ذلك الوقت، فقرر التفاوض مع قريش في شأن دخول المسلمين مكة لزيارة البيت الحرام، وقال: (والذي نفسي بيده لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها) _[ابن إسحاق].
وعند بئر الحديبية تجمع المسلمون حول النبي صلى الله عليه وسلم وقد أصابهم العطش، فماء البئر قليل لا يكفيهم، فشكوا للنبي صلى الله عليه وسلم، فجلس صلى الله عليه وسلم على حافة البئر، وتوضأ، ثم صبَّ الماء في البئر، فكثر الماء وظلوا يشربون وتشرب إبلهم حتى تركوا الحديبية ورحلوا. _[البخاري].
أما قريش فقد أصابهم الفزع بعدما تأكدوا أن النبي صلى الله عليه وسلم عازم على دخول مكة، فأرسلوا إليه رسلا يستوضحون الأمر، وكان أول الرسل بديل بن ورقاء الخزاعي، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: (إنا لم نجئ لقتال أحد ولكن جئنا معتمرين .. يا ويح قريش، لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب، فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فما تظن
قريش، فوالله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة (يقصد: الموت)) _[ابن إسحاق].
وكان آخر الرسل عروة بن مسعود الثقفي عم الصحابي المغيرة ابن شعبة، وإذا به يقف مبهورًا من طاعة المسلمين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتماسكهم وقوة إيمانهم، فعاد إلى قومه يقول لهم: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، على كسرى وقيصر والنجاشي، وإني والله ما رأيت ملكًا يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدًا، والله ما تَنخَّم (بصق) نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلَّك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وما يحدُّون النظر إليه تعظيمًا له، وقد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها.
وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان -رضي الله عنه- ليشرح لقريش ما يريده المسلمون، وإذا بالمشركين يعرضون على عثمان أن يطوف وحده بالبيت، ولكنه رفض أن يطوف وحده دون المسلمين، فاحتبسته قريش عندها، فلما طالت غيبته ظن المسلمون أن الكفار قتلوه، فاجتمعوا حول نبيهم صلى الله عليه وسلم وبايعوه على القتال حتى الاستشهاد في سبيل الله، وفيهم نزل قوله تعالى: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحًا قريبًا﴾ [الفتح: 18]
شروط الصلح:
وعلمت قريش بهذه النية، فخافت وأطلقت عثمان على الفور، وأرسلت سهيل بن عمرو، وكان رجلا فصيحًا عاقلا يجيد التفاوض، فلما رآه الرسول صلى الله عليه وسلم قال: قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل، فلما جاء سهيل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلما طويلا ثم جري بينهما الصلح، فاتفق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على:
- أن يرجع المسلمون هذا العام ويعودوا في العام القادم.
-وأن تتوقف الحرب بينهما لمدة عشر سنوات.