وعندما نزلوا على حكم الرسول صلى الله عليه وسلم أحب أن يكل الحكم عليهم إلى واحد من رؤساء الأوس، لأنهم كانوا حلفاء بني قريظة، فجعل الحكم فيهم إلى سعد بن معاذ، فلما دنا من المسلمين قال الرسول صلى الله عليه وسلم للأنصار: (قوموا إلى سيدكم أو خيركم، ثم قال: إن هؤلاء نزلوا على حكمك). قال: تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم وتقسم أموالهم. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (قضيت بحكم الله تعالى.
ونفذ الرسول صلى الله عليه وسلم حكم الله فيهم، وكانوا أربعمائة على الأرجح. و لم ينج إلا بعضهم، وهم ثلاثة، لأنهم أسلموا، فأحرزوا أموالهم، وربما نجا اثنان آخران منهم بحصولهم على الأمان من بعض الصحابة، أو لما أبدوه من التزام بالعهد أثناء الحصار. وربما نجا آخرون لا يتجاوزن عدد أفراد أسرة واحدة، إذ يفهم من رواية عند ابن إسحاق وغيره أن الرسول صلى الله عليه وسلم وهب لثابت بن قيس بن الشماس ولد الزبير بن باطا القرظي، فاستحياهم، منهم عبد الرحمن بن الزبير، الذي أسلم، وله صحبة.
وجمعت الأسرى في دار بنت الحارث النجارية، ودار أسامة بن زيد، وحفرت لهم الأخاديد في سوق المدينة، فسيقوا إليها المجموعة تلو الأخرى لتضرب أعناقهم فيها. وقتلت امرأة واحدة منهم، لقتلها خلاد بن سويد رضي الله عنه، حيث ألقت عليه، جرحى، ولم يقتل الغلمان ممن لم يبلغوا سن البلوغ. ثم قسم الرسول صلى الله عليه وسلم أموالهم وذراريهم بين المسلمين.
مصير بعض سيي بني قريظة:
ذكر ابن إسحاق وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سعد بن زيد الأنصاري بسبايا من سبايا بني قريظة إلى نجد، فابتاع لهم بها خيلا وسلاحا.
وذكر الواقدي في المغازي في شأن بيع سبايا بني قريظة قولين آخرين إضافة إلى ما ذكره ابن إسحاق، والقولان هما:
1 - بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن عبادة إلى الشام بسبايا ليبيعهم ويشتري بهم سلاحاً وخيلاً.
2 - اشترى عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما جملة من السبايا ... إلخ. ويمكن الجمع بين هذه الأقوال الثلاثة بأن ذلك كله قد حدث.
واصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه من نسائهم ريحانة بنت عمرو بن خنافة، وأسلمت. وقد توفي عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي في ملك يمينه، وكان ذلك باختيارها.
أحكام وحكم ودروس وعبر من غزوة بني قريظة:
1 - جواز قتل من نقض العهد. ولا زالت الدول تحكم بقتل الخونة الذين يتواطؤون مع الأعداء حتى زماننا هذا.
2 - جواز التحكيم في أمور المسلمين ومهامهم. كما في تحكيم ابن معاذ.
3 - مشروعية الاجتهاد في الفروع، ورفع الحرج إذا وقع الخلاف فيها. فقد اجتهد الصحابة في تفسير قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (ألا لا يصلين أحد العصر أو الظهر إلا في بني قريظة)، ولم يخطئ الرسول صلى الله عليه وسلم أحدا منهم.