فحاولوا أن يفاوضوا المسلمين وطلبوا منهم أن ينزلوا على ما نزل عليه بنو النضير من الجلاء بالأموال وترك السلاح، فلم يقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، فطلبوا الجلاء بأنفسهم من غير مال ولا سلاح، فلم يرض أيضاً، بل قال: لابد من النزول والرضا بما يحكم عليهم، خيراً كان أو شراً، فقالوا له: أرسل لنا أبا لبابة نستشيره، وكان حليفاً لهم، وكانت أمواله وأولاده في منطقتهم، وكان من نقباء الأوس رضي الله عنه، فلما توجه إليهم استشاروه في النزول على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه، يريد أنه الذبح! ثم انتبه من فوره أنه خان الله ورسوله فمضى على وجهه ولم يرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم حياء وخجلاً من مقابلته، وأتى المسجد النبوى وربط نفسه في سارية من سوارى المسجد حتى يقضى الله فيه أمراً، وحلف ألا يحله إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه لا يدخل أرض بني قريظة أبدا، ولما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: أما إنه لو جاءنى لأستغفرت له وأما وقد فعل ما فعل فأتركه حتى يقضي الله فيه، وقد نزل بعد أيام قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:102]
ثم إن اليهود انهارت معنوياتهم ودب الرعب في نفوسهم وهم في حصونهم المنيعة فبادروا إلى النزول على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقام رجال من الأوس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعامل قريظة كما عامل بني قينقاع حلفاء الخزرج، فقال لهم: ألا يرضيكم أن يحكم فيهم رجل منكم؟ فقالوا: بلى، قال: فذاك سعد بن معاذ، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن معاذ رضي الله عنه، وكان بالمدينة ولم يخرج معهم للجرح الذي أصابه يوم الأحزاب، فأتى به على حمار قد حمل عليه وصف به قومه وقالوا له يا أبا عمرو! حلفاؤك ومواليك وأهل النكاية ومن قد علمت! فلم يرجع إليهم شيئا ولم يلتفت إليهم، فلما أكثروا عليه قال: لقد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم، ولما انتهى سعد إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال له قومه: يا سعد إن هؤلاء القوم قد نزلوا على حكمك، قال: وحكمي نافذ عليهم؟ قالوا: نعم، قال: وعلى المسلمين؟ قالوا: نعم، قال: وعلى من هاهنا؟ وأعرض بوجهه وأشار إلى ناحية رسول الله صلى الله عليه وسلم إجلالاً له وتعظيماً قال: نعم، قال: فإني أحكم فيهم أن يقتل مقاتلهم، وتسبى ذراريهم، وتقسم أموالهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد حكمت فيهم بحكم الله ورسوله! وكان سعد في غاية الإنصاف. فإن بني قريظة بالإضافة لما ارتكبوه من الغدر الشنيع ونقضهم للعهد، وما استقبلوه به يوم الأحزاب يوم أن ذهب يناشدهم الوفاء فأفحشوا له القول، كانوا قد جمعوا لإبادة المسلمين من الأسلحة ما تعجب المسلمون منه وهم يجمعونه بعد نزولهم من حصنهم، ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتنفيذ حكم سعد فيهم، وهكذا تم استئصال أفاعى الغدر والخيانة الذين نقضوا الميثاق، وأعانوا الأحزاب على إبادة المسلمين في أحرج ساعة مرت عليهم، فصاروا من أكابر مجرمي الحروب الذين يستحقون المحاكمة والإعدام، وقتل معهم شيطان بني النضير، وجرثومة هذه الفتن: حيى بن أخطب، الذى أغراهم بنقض العهد، ووعدهم أن يكون معهم في حصنهم إن تخلى عنهم الأحزاب، وقد كان! والعجب من جلد هذا