تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهكذا يبشرهم بما سيكون من فتوح لهذه البلدان مما أخبره الله بالوحي تسلية لهم وحفزاً لهمهم، رغم ما هم فيه من الخوف والبرد والجوع.

أما المؤمنون فلا ينتابهم شك في وعد الله ورسوله: ﴿قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:22]، وأما المنافقون فقد سخروا من هذه البشارة وقالوا: ﴿مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾ [الأحزاب:12] وقالوا أيضاً: ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً﴾ [الأحزاب:13] فما أجبن المنافقين، وما أقل ثقتهم بربهم وما أضعف إيمانهم، وأما المؤمنون فما أوفر إيمانهم وما أوثقهم بما عند ربهم وتصديقهم به.

فحسبكم هذا التفاوت بينكم وكل إناء بما فيه ينضح

ورغم تخذيل المنافقين وإرجافهم وظروف المجاعة وشدة البرد، مضى المسلمون في تنفيذ مهامهم، وإكمال خطة الدفاع عن المدينة، وقد أراهم الله عدة آيات من أعلام النبوة تثبيتاً لهم وتأنيساً لقلبهم وتسلية لنفوسهم، فمن ذلك أن جابر بن عبد الله رضي الله عنه رأى ما بالنبي صلى الله عليه وسلم من شدة الجوع فلم يتحمل ذلك، فاستأذن وذهب إلى أهله وذبح شاة صغيرة وطحنت امرأته صاعاً من الشعير ثم عاد إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له سراً: طعيَمّ لى فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان، قال النبي صلى الله عليه وسلم كم هو؟ فذكرت له، قال: كثير طيب! فصاح النبي صلى الله عليه وسلم يا أهل الخندق! ـ وكانوا ألفا ـ إن جابر صنع سوارا ـ يعنى مائدة أو وليمة ـ فحيهلا! فلما دخل جابر على امرأته قال: ويحك! جاء النبي صلى الله عليه وسلم بالمهاجرين والأنصار ومن معهم! قالت: هل سألك كم طعامك؟ قال نعم قالت: الله ورسوله أعلم، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يدخل أصحابه فوجاً فوجاً ويبرك على الطعام، يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم ويغرف لهم، حتى أكلوا جميعاً وبقيت بقية! فقال: كلى هذا وأهدى، فإن الناس أصابتهم مجاعة، قال جابر: فأقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوا، وانصرفوا وإن برمتنا لتغط كما هي، وإن عجيننا ليخبز كما هو! " أخرجه البخارى".

وأتم الله للمسلمين حفر الخندق ووضعوا نسائهم وأطفالهم في حصن فارس وهو أقوى حصون المدينة، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة آلاف من أصحابه وجعلوا ظهورهم إلى سلع فتحصنوا به.

وجعلوا الخندق بينهم وبين الكفار، الذين أقبلوا في كتائب منظمة، عشرة آلاف بخيلهم ومقاتلهم ودروعهم على أكمل ما يكونون إستعداداً، لكنهم فوجئوا برؤية الخندق! واحتاروا في كيفية اقتحامه، وكلما حاولوا أمطرهم المسلمون بالسهام، وقد تغيظ بعض فرسان قريش أن يقفوا مكتوفى الأيدى أمام الخندق، فاختاروا مكاناً ضيقاً من الخندق وتمكنوا من اقتحامه، وكان فيهم عمرو بن عبد ود، وهو فارس شجاع معلم، فأسرع بعض فرسان المسلمين لسد هذه الثغرة وإنقاذ الموقف، ودعا على بن أبي طالب عمرو للمبارزة فقال عمرو: ولم يا ابن أخى؟ فوالله ما أحب أن أقتلك ـ استصغاراً لشأنه ـ قال على: لكنى والله أحب أن أقتلك، فحمى عمرو وأقبل على علىّ فتنازلا وتجاولا، فقتله على رضى الله عنه.

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ١٩٤١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ١٩٤١