لم يفق اليهود من غيهم، ولم يتعظوا بما أصابهم من إجلاء النبي صلى الله عليه وسلم لهم نتيجة غدرهم وتآمرهم، وآلمهم استقرار أمر المسلمين وبسط نفوذ وتوطد سلطانهم، فشرعوا يخططون للتآمر على المسلمين، وأجمعوا على تأليب قبائل العرب ضد المسلمين كى يرموهم عن قوس واحدة، وقد خرج وفد من قادة بني النضير إلى قريش يحرضونهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال أحبارهم إن قتال محمد حق! واسئتصاله أرضى لله، لأن دين قريش أفضل من دينه، وتقاليد الجاهلية أفضل من تعاليم القرآن! مما أسعد قريشاً وزادهم إصراراً على العدوان، وفي هذا أنزل الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللّهُ فَلن تَجِدَ لَهُ نَصِيراًَ﴾ [النساء:51 - 52] ثم ارتحل هؤلاء اليهود إلى غطفان فعقدوا معهم حلفاً مشابها ضد المسلمين، وهكذا استطاع أولئك النفر من اليهود أن يجمعوا الأحزاب المختلفة من قريش، وغطفان، وفزارة، وأشجع، وبنى مرة، وبنى أسد، وبني سليم، وتحرك هؤلاء جميعاً بعد أن تواعدوا على الزمان والمكان وبلغ عدد جيوشهم عشرة آلاف مقاتل وقائدهم العام أبو سفيان بن حرب القرشي.
وسارع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عقد مجلس الشورى مع أصحابه كعادته في مهمات الأمور فأشار عليه سليمان الفارسي بحفر الخندق، وهي وسيلة حربية لم تكن العرب تعرفها قبل ذلك، وتم الاتفاق على هذه الخطة بالإجماع، حيث سيشكل الخندق حاجزاً يمنع الالتحام المباشر مع الغزاة ويمنع اقتحام المدينة، ويوفر للمسلمين الذين لا يزيد عددهم عن ثلاثة آلاف موقعاً دفاعياً جديداً، يمكنهم من رش الغزاة بالسهام من وراء الخندق.
وبدأ المسلمون يحفرون الخندق في جد بالغ، وتلاحم بديع، رغم برودة الجو والمجاعة التي أصابت المدينة في ذلك الوقت، لكن حرارة الإيمان طغت على آثار البرد، ولذة اليقين أنستهم ألم الجوع، واستمر المسلمون يحفرون الخندق ويحملون الأتربة، وهم يرددون الأهازيج في غاية الحماس، ويردد معهم النبي صلى الله عليه وسلم شعر ابن رواحة:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا
إن الأُلى قد بغوا علينا إذا أرادوا فتنه أبينا
ورسول الله صلى الله عليه وسلم يحفر معهم كأحدهم وينقل التراب حتى اغبر بطنه ووارى التراب جلده، وشد على بطنه حجراً لفرط الجوع، ولم يكن حفره معهم تمثيلاً ولا موقفاً إعلاميا كما يفعله كثير من القادة الآن، وإنما كان يتحمل كأحدهم، بل كان يتحمل أكثر مما يتحملون، فقد كانوا إذا أعجزتهم صخرة لجئوا إليه فيأخد المعْول فيفتتها بعد ثلاث ضربات، يضرب الأولى ويقول: الله أكبر! أعطيت مفاتيح الشام، والله إنى لأبصر قصورها الحمر الساعة، ثم يضرب الثانية ويقول الله أكبر! أعطيت مفاتيح فارس! والله إني لأبصر قصر المدائن أبيض، ثم يضرب الثالثة ويقول الله أكبر! أعطيت مفاتيح اليمن! والله إني لأبصر بوابة صنعاء من مكاني هذه الساعة!