تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وشعروا بالخيبة، فقد انقلبت حساباتهم، وأصبحت أعدادهم الكبيرة لا قيمة لها، وهي تقف أمام الخندق عاجزة حائرة يكاد الغيظ

يفتك بها، وهم يقولون: إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها.

ومن مكان ضيق في الخندق حاول المشركون أن يقتحموه، ولكن سهام المسلمين انهالت عليهم كالسيل، فارتدوا خائبين، وخرج عمرو بن عبد ود من صفوف المشركين وقال: من يبارز؟ وكان عمرو بن عبد ود فارسًا قويا شجاعًا، لا يستطيع أحد أن يقف أمامه أو يبارزه؛ فلم يقف أحد لمبارزته سوى على بن أبي طالب الذي قام وقال: أنا أبارزه يا رسول الله، فأعطاه الرسول صلى الله عليه وسلم سيفه، وعمَّمَه، ودعا له، ولما شاهده عمرو استصغر سنه، وقال له: لِمَ يابن أخي؟ فوالله ما أحب أن أقتلك.

فرد علي عليه: لكني والله أحب أن أقتلك، فغضب عمرو ونزل عن فرسه، وقتل الفرس، وبارز عليًّا، وظلا يتبارزان، وثار الغبار فلم ير أحد منهما، وضربه على فقتله، وكبَّر، فعلم المسلمون أن عليا قتله، وظل المسلمون والمشركون يتراشقون بالسهام والنبال، فقتل عدد قليل من المشركين، واستشهد بعض المسلمين.

وحدث أمر خطير للمسلمين لم يضعوه في حسبانهم، ففي جنوب المدينة اتفق يهود بني قريظة مع الكفار أن يفتحوا لهم المدينة من ناحيتهم؛ كي يضربوا ظهور المسلمين ويأسروا نساءهم وأبناءهم، وقد شعر المسلمون بهذه الخيانة، فأرسل الرسول صلى الله عليه وسلم بعض المسلمين ليتأكدوا من الخبر، ولما تأكدوا من صحته أسرعوا في مجموعات لحماية المدينة من الداخل وحماية الأطفال من غدر اليهود وعدوانهم، وحاولت قريش أن تقتحم الخندق؛ لتنفذ منه إلى قلب المدينة، فوقف المسلمون لهم بالمرصاد.

وكانت السيدة عائشة تقف مع أم سعد -رضي الله عنهما- فمر عليهما سعد بن معاذ وعليه درع لا تستر ذراعيه كليهما، وفي يده حربته، فقالت له أمه: الحق يا بني فقد -والله- تأخرت، فقالت السيدة عائشة لها: يا أم سعد، والله لوددت أن درع سعد كانت أسبغ (أطول) مما هي عليه، ورُمِي سعد بن معاذ بسهم قطع منه الأكحل (عرق في وسط الذراع) فدفعه إيمانه أن يدعو الله قائلا: (اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئًا فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إلى أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك، وكذبوه، وأخرجوه، وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم، فاجعلها لي شهادة، ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة) _[متفق عليه].

لقد ارتبك المسلمون من خيانة بني قريظة التي قد تمكن الكفار منهم، وأخذوا ينظرون إلى أنفسهم وقلوبهم متعلقة بالله -تعالى- وقد صور القرآن ذلك الموقف فقال تعالى: ﴿إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا﴾ [_الأحزاب: 10].

وقد أحاط المشركون بالمسلمين، فحاصروهم قريبًا من عشرين ليلة، وأخذوا بكل ناحية، ووجهوا نحو منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم كتيبة غليظة، فقاتلها المسلمون يومًا إلى الليل، فلما حانت صلاة العصر، لم يقدر النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من الصحابة أن يصلوا العصر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ١٩٣٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ١٩٣٧