(ملأ الله عليهم بيوتهم وقبورهم نارًا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس) _[مسلم].
ونظر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المشركين، فوجدهم كثيرين، فأراد أن يخفف الحصار عن المسلمين، فعرض على المسلمين أن يتفق مع قبيلة غطفان على أن يأخذوا ثلث ثمار المدينة؛ وينسحبوا من المعركة، وبعد ذلك يتفرغ الرسول صلى الله عليه وسلم لقتال قريش، واستشار في ذلك الأمر سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ، وأخبرهما أن ذلك ليس أمرًا من الله تعالى يجب تنفيذه، فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله، وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قِرًي (ضيافة) أو بيعًا، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له، وأعزنا بك وبه، نعطيهم أموالنا؟! والله ما لنا بهذا من حاجة، ولا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم.
فوافق رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك، بعدما وجد من أصحابه الرغبة في الصمود أمام أعدائه مهما كانت قوتهم، والثقة في نصر الله تعالى، وأثبت المسلمون وهم في هذا الموقف الصعب أنهم يستحقون نصر الله لهم، لقد سلموا أمرهم إلى ربهم، وفعلوا كل ما يقدرون عليه، فاستحقوا نصر الله لهم.
إسلام نعيم بن مسعود:
ألقى الله الإيمان في قلب نعيم بن مسعود الغطفاني وكان مع المشركين، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم لنعيم: (إنما أنت فينا رجل واحد فَخَذِّل عنا إن استطعت فإن الحرب خدعة) _[ابن إسحاق].
طلب الرسول صلى الله عليه وسلم من نعيم أن يظل في قومه ويستخدم ذكاءه في صرفهم عن المسلمين، فذهب نعيم إلى يهود بني قريظة، وكان صديقًا لهم في الجاهلية، فقال لهم: يا بني قريظة، قد عرفتم ودي إياكم، وخاصة ما بيني وبينكم. قالوا: صدقت، لست عندنا بمتهم.
فقال لهم: إن قريشًا وغطفان ليسوا كأنتم، البلد بلدكم، فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، لا تقدرون على أن تحولوا منه إلى غيره، وإن قريشًا وغطفان قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه، وقد ظاهرتموهم (ناصرتموهم) عليه، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره، فليسوا كأنتم فإن رأوا نهزة (فرصة) أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم، وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم، ولا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنًا من أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن تقاتلوا معهم محمدًا حتى تناجزوه (تقاتلوه). فقالوا له: لقد أشرت بالرأي.
ثم توجه إلى قريش، فقال لأبي سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش: قد عرفتم ودي لكم وفراقي محمدًا، وإنه قد بلغني أمر رأيت على حقًّا أن أبلغكموه نصحًا لكم، فاكتموا عني، فقالوا: نفعل. قال: تعلمون أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه: إنا قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين من قريش وغطفان رجالا من أشرافهم فنعطيكهم، فتضرب أعناقهم ثم نكون معك على من بقي منهم حتى نستأصلهم؟ فأرسل إليهم: أن نعم.