تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نظر المسلمون إلى مدينتهم، فوجدوها محاطة بالجبال والحصون والدور من كل جانب ما عدا الجانب الشمالي فقط، وهو الذي سيدخل منه الكفار، فحددوا مكان الحفر في ذلك الجانب، وبدأ المسلمون في حفر الخندق، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يشاركهم العمل، وانتهى المسلمون من حفر الخندق قبل أن تصل إليهم جيوش الكفار، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو لهم، متمثلا ببيت من الشعر لعبد الله بن رواحة يقول:

اللهم إن العيشَ عيشُ الآخرة فاغفر للأنصارِ والمهَاجِرة

فيجيبه المسلمون بحماس منشدين:

نحن الذين بايعوا محمدًا على الجهاد ما بقينا أبدا

وكان الرسول صلى الله عليه وسلم ينقل التراب معهم من الخندق حتى أثر في بطنه، فقال بعض أبيات من شعر ابن رواحة -رضي الله عنه:

اللهمَّ لولا أنتَ ما اهْتَدينَا ولا تصَدَّقْنا ولا صَلَّينا

فأنزلنْ سكينةً علينا وثبِّت الأقدامَ إن لاقينا

إن الألى قد بَغَوا علينا إذا أرادوا فتنةً أبينا

[متفق عليه].

وأثناء ذلك العمل الصعب نظر الصحابي الجليل جابر بن عبدالله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرآه يربط على بطنه حجرين ليخفف عنه ألم الجوع ويعمل، ويحمل التراب، فأسرع جابر إلى امرأته يسألها: إن كان عندها طعام فذبحت شاة صغيرة عندها، وطحنت كل ما عندها من الشعير، فكان مقدارًا صغيرًا يكفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعض أصحابه، وجاء جابر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، يدعوه سرًّا إلى بيته، وإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو معه المسلمين، فيذهب ألف رجل إلى بيت جابر!! والطعام لا يكفي سوى عدد قليل، فمن أين سيأكل كل هذا العدد؟!

لقد وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده الشريفة في الطعام، فبارك الله فيه فأكل جميع المسلمين، وبقي طعام كثير لأهل البيت. _[البخاري] وهكذا كان المسلمون يتعبون ويصبرون، وعناية الله تعالى تؤيدهم وتحرسهم، وبينما هم يحفرون وجدوا صخرة شديدة لم يستطع أحد أن يحطمها، فلجئوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فتناول المعول وضرب الصخرة ضربة فكسر ثلثها، وقال: (الله أكبر أعطيتُ مفاتيح الشام، والله إني أبصر قصورها الحمر الساعة) ثم ضرب الثانية، فكسر الثلث الآخر، فقال: (الله أكبر أعطيتُ مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن أبيض) ثم ضرب الثالثة وقال: (باسم الله) فقطع بقية الحجر فقال: (الله أكبر أعطيتُ مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا الساعة). _[أحمد وابن جرير].

وقد تحققت نبوءة الرسول صلى الله عليه وسلم، ودخل الإسلام هذه البلاد، واستمر العمل دون تراخٍ أو كسل حتى تحقق الأمل، وانتهى المسلمون من عملهم قبل أن يصل المشركون، واقترب جيش المشركين من المدينة، ووقفوا أمام الخندق متعجبين، وصدموا به، فهذه أول مرة يستعمل فيها العرب مثل هذه الحيل الحربية،

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ١٩٣٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ١٩٣٦