على نفوسهم، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل المسلمين يمنون على النساء بالحرية من تلقاء أنفسهم، فتزوج برة بنت الحارث وسماها جويرية، وجعل عتقها صداقها، فقال المسلمون: أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينبغي أسرهم في أيدينا: فمنوا عليهم بالعتق، فكانت جويرية أيمن امرأة على قومها، تقول عائشة رضي الله عنها، فما كانت امرأة أعظم بركة منها! وكان لزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم من جويرية وإطلاق السبي أثر بالغ في تأليف قلوبهم، فبدؤوا عهداً جديداً من المشاركة في الجهاد ذودا عن الإسلام، ومن الطاعة لله، والإنقياد لأحكامه، وتسبب هذا الكرم العظيم، وهذه المعاملة الجليلة أن أسلم بنو المصطلق عن بكرة أبيهم.
وكان يمكن لهذه الغزوة أن تنتهى بهذا النصر الميسر ويعود المسلمون دون كبير تعب لولا ما وقع فيها من الأحداث الخطيرة التي سببها خروج المنافقين مع المسلمين على غير عادتهم، وإنما خرجوا هذه المرة لثقتهم بانتصار المسلمين فرغبوا أن يصيبوا من عرض الدنيا، والمنافقون شؤم كما وصفهم الله تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَة﴾ [التوبة:47]، فكان من الفتن التي وقعت واستغلها المنافقون لإثارة الشقاق بين المسلمين ما رواه البخاري عن جابر بن عبد الله وهو من شهد هذه الغزوة، قال: " كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار ـ يعنى ضرب دبره برجله أو بيده ـ فقال الأنصارى: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين: فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما بال دعوى الجاهلية؟ وأنا بين أظهركم؟ قالوا: يا رسول الله كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار! فقال: (دعوها فإنها منتنة)! فسمع ذلك عبد الله بن أبي فقال: فعلوها! يعنى المهاجرين: أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل! فسمع ذلك غلام من الأنصار فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (دعه! لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه) "، فهذا الذي وقع بين الرجلين من الخلاف وأدى إلى قولهما: يا للأنصار ويا للمهاجرين سماه النبي صلى الله عليه وسلم دعوى الجاهلية، رغم شرف اسم المهاجرين والأنصار، وإقرار الله تعالى لهذه التسميه وثنائه عليها بقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ﴾ [التوبة:100]، إلا أن استغلال الرجلين لهذه التسميات الشريفة بحيث تستعمل استعمالاً خاطئاً يفرق بين المسلمين ويحيى عصبياتهم الجاهلية التي قضى عليها الإسلام، هو الذي جعل النبي صلى الله عليه وسلم ينكر عليهم ذلك ويقول: (دعوها فإنها منتنة): أى قبيحة أو خبيثة، وسماها دعوة الجاهلية، ولا شك أنه يلتحق بهذا كل دعوة إلى العصبية لغير منهج الإسلام كالتعصب للأحزاب أو الفرق أو الجماعات والموالاة والمعاداة فيها وفي أشخاصها على حساب المنهج الذي يجتمع عليه المسلمون وألا يتفرقوا، فكيف إذا أصبح المسلمون يتعصبون إلى أسماء غير شريفة ومعان تافهة غير محمودة كمن يتعصبون إلى الأجناس والأعراق والقوميات، أو يتعصبون لمناهج الغرب التي صاغها من لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة، وكل حمية لغير الله ودينه ورسوله داخلة في دعوى الجاهلية ومن ذلك الحمية لمجرد اللهو