واللعب، والموالاة أوالمعاداة على الألعاب المختلفة كالكرة وغيرها بحيث تخرج من حد اللعب إلى حد الجد، لتصبح من الحمية الجاهلية التي هي من سمات الكافرين كما قال تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح:26]، وقد استغل رأس النفاق عبد الله بن أبي بن سلول هذه المخالفة التي وقعت من الرجلين، وأراد أن يوقع الفتنة بين الأنصار ـ أهل المدينة ـ وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرين من خارج المدينة، فقال كلمته الشنعاء (لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل)، فجعلها الله عليه عاراً وشنارا حيث أنزل الله سورة المنافقين تفضح أفعالهم وتكشف نواياهم، وترد الأمور إلى نصابها فتجعل العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، والذل والصغار للمنافقين، ولا أذل لعبد الله بن أبي من قول ابنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله بلغني أنك تريد قتل أبي، فإن كنت تريد قتله فمرني بقتله، فوالله إن أمرتني بقتله لأقتلنه، وكان باراً بأبيه، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له بر أباك ولا يرى منك إلا خيراً، فلما رجع المسلمون إلى المدينة وقف له ولده على الطريق وقال له: والله لا تدخل المدينة حتى يأذن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدخول، فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بدخوله، فتبين بذلك من العزيز ومن الذليل، وإنما تحمل النبي صلى الله عليه وسلم دسائس هذا المنافق وصبر على غدارته دفعاً ومنعاً للمفسدة الأكبر، أن يتحدث الناس ـ وفيهم من ليس من أهل الإسلام ممن لم يطلع على حقيقة النفاق والمنافقين ـ أن يتحدثوا أن محمداً يقتل أصحابه.
لقد أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤصل للمسلمين قاعدة هامة جداً، ما أحوج الدعاة التي تفهمها، والتأدب بأدبها، فكثيراً ما تتعارض المصالح في الموقف الواحد، فواجب الداعية أن يكون حكيماً ذا بصيرة كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيحرص على تحقيق أعلى المصلحتين الشرعيتين ولو بتفويت إحداهما إذا تعذر الجمع بينهما، كما يحرص على دفع أقوى المفسدتين الشرعيتين ولو بارتكاب أدناهما لدفع المفسدة الأكبر، وذلك إذا عجز عن دفعهما معاً، إن هذا مقتضى حكمة النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته.
وخلاصة درسه الذي نتعلمه من صنيعه مع المنافقين أن نقول:
لقد استحق ابن أبيٍّ القتل بسبب نفاقه وكيده للإسلام، وقتلُهُ مصلحة عظيمة وردع لأمثاله، لكن النبي صلى الله عليه وسلم رأى أن هذه المصلحة تفوت مصلحة أخرى أعظم منها وهي الحاجة إلى أن يظهر المسلمون كالجسد الواحد، مجتمعين حول رسول الله صلى الله عليه وسلم ومتفقين على منهج الإسلام، فلو قتل ابنَ أبيٍّ لتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه ولكان في هذا صرف للناس عن الإسلام وصد لهم عن سبيله، ولظهر المسلمون بصورة منفرة لتنازعهم وشقاقهم وخلافاتهم، بينما لو تحمل النبي صلى الله عليه وسلم مرارة أفعال المنافقين كابن أبي وأمثاله، وصبر على مكايدهم، ورأى الناس علو أمر الإسلام لدخلوا في دين الله أفواجا، وهذا هو المقصد الصحيح للدعاة، ولن يضر المنافقون إلا أنفسهم، ومثل هذا الدرس يكرره لنا النبي صلى الله عليه وسلم مرة أخرى حين يقول لعائشة: (لولا أن قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة ولبنيتها على قواعد إبراهيم) أي أنه كان يجب أن يعيد بناء الكعبة