تفتح على المسلمين ’ فلما كان مباحاً له أن يقطع ويترك ’ إختار الترك نظراً للمسلمين). وهذا الذى قلناه من إباحة قطع شجر الكفار وإحراقه إذا إقتضت المصلحة هو مذهب نافع مولى ابن عمر ومالك و الثورى وأبى حنيفة و الشافعى وأحمد وإسحاق وجمهور الفقهاء.
وروى عن ليث ابن سعد وأبى ثور و الأوزاعى بعدم جوازه.
ثالثاً:- إتفق الأئمة على أن ما غنمه المسلمون من أعدائهم بدون قتال (وهو الفاء) يعود النظر و التصرف فيه الى ما يراه الإمام من المصلحة ’ وأنه لا يجب عليه تقسيمه بين الجيش كما تقسم عليهم الغنائم التى غنموها بعد قتال وحرب ’ مستدلين على ذلك بسياسته صلى الله عليه وسلم فى تقسيم فاء بنى النضير ’ فقد خص به - كما رأيت - المهاجرين دون الأنصار وقد نزل القرآن تصويبا فى الايتين اللتين ذكرناهما.
ثم إختلفوا فى الأراضى التى غنمها المسلمون بواسطة الحرب: فذهب مالك الى أن الأرض لا تقسم مطلقاً ’ وإنما يكون خراجها وقفاً لصالح المسلمين إلا أن يرى الإمام أن المصلحة تقضى القسمة فإن له ذلك ’ ويذهب الحنفية قريباً من هذا المذهب.
أما الشافعى فذهب الى أن الأرض المأخوذة عنوة تجب قسمتها كما تجب قسمة غيرها من الغنائم ’ وهو الظاهر من مذهب الإمام أحمد.
ودليل ما ذهب إليه الشافعى ’ أن تصرف النبى صلى الله عليه وسلم بأموال بنى النضير على خلاف ما تقتضيه القسمة بين الغانمين فى الحرب ’ إنما كان بسبب عدم وجود أى قتال تسبب عنه الحصول على تلك الغنائم ’ وقد نصت الآية على ذلك فى معرض تعليل حكمه صلى الله عليه وسلم ’ فى فاء بنى النضير ’ وهى قوله تعالى: (وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء) وإذا كان هذا هو مناط جواز عدم القسمة لأراضى الفاء فمن الواضح أنه إذا إرتفع الحكم معه ’ وعاد الحكم المنصوص عليه فى حق الغنائم ’ سواء فى ذلك الأراضى وغيرها.
ودليل ما ذهب إليه مالك وأبو حنيفة أمور كثيرة ’ من أهمها عمل عمر رضى الله عنه حينما إمتنع عن تقسيم سواد العراق ’ وجعلها وقفاً يجرى خراجها ريعاً للمسلمين وليس المجال هنا متسع لأكثر من هذا العرض المجمل فى الموضوع.
إنما الذى ينبغى أن ننتبه إليه من هذا البحث هنا ’ هو التعليل الذى ذكره الله تعالى فى الآيتين اللتين أوضحتا سياسته صلى الله عليه وسلم فى تقسيم فاء بنى النضير إذ إختص به أناساً دون آخرين ’ فقد ذكر الله تعالى فى تعليل ذلك بقوله: (لكى لا يكون دولة بين الأغنياء منكم) أى كى لا يكون تداول المال محصور فيما بين طبقة الأغنياء منكم فقط.
و التعليل بهذه الغاية يؤذن بأن سياسة الشريعة الإسلامية فى شؤون المال قائمة فى جملتها على تحقيق هذا المبدأ ’ وإن كل ما تفيض به كتب الشريعة الإسلامية من الأحكام المتعلقة بمختلف شؤون الإقتصاد و المال يبتغى من ورائه إقامة مجتمع عادل تتقارب فيه طبقات الناس و فئاتهم ويقضى فيع على أسباب الثغرات التى قد تظهر فيما بينهم ’ والتى قد تؤثر على سير العدالة و تطبيقها.