تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذه صورة ثانية من طبيعة الغدر و الخيانة المتأصلة فى نفوس اليهود ’ وقد رأينا من قبلها صورة أخرى من خيانتهم فيما اقدم عليه يهود بنى قينقاع ’ وتلك حقيقة تاريخية صدقتها الوقائع التى لا تحصى ’ وذلك هو سر اللعنة الإلهية التى حاقت بهم وسجله بيان الله تعالى فى قوله: (لعن الذين كفروا من بنى إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ’ ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون).

ثم إن فى هذه الواقعة لدروساً بليغة ’ ودلالات هامة تتعلق بكثير من أحكام الشريعة الإسلامية نذكر منها ما يلى:

أولا:- الخبر الذى جاء من الله تعالى الى رسوله صلى الله عليه وسلم بكشف ما بيته اليهود من الغدر به ’ تعد واحدة من الخوارق الكثيرة التى أكرم الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم قبل بعثته وأثناءها ’ وهى مما ينبغى أن يسترعى إنتباهنا ليحملنا على مزيد من الإيمان بنبوته ورسالته ’ والإقتناع بأن شخصيته النبوية تعتبر الأساس الأول لوجوده وصفاته الشخصية الأخرى.

وقد عبر بعض الكاتبين فى السيرة وفقهها عن هذا الخبر الإلهى الذى نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم بفضح نوايا اليهود - عبر عن ذلك بأنه ألهم ما بيته اليهود له! وكلمة الإلهام تدل على معنى مشترك للناس كلهم فحاسة الإلهام - عن طريق الإشارات و القرائن - حاسة طبيعية لا تختص بها فئة من الناس دون غيرهم. وكلمة (الخبر الإلهى) كما يستعملها علماء السيرة رحمهم الله تعالى ’ إنما تدل على معنى هو من سمات النبوة و خصوصياتها ’ ونحن نعلم أن أن هذا المعنى دون غيره هو الذى جعل النبى صلى الله عليه وسلم يحس بالمكر ’ فهو الوفاء من الله تعالى بوعده القاطع لرسوله: والله يعصمك من الناس.

وإذا كان الأمر كذلك ’ ففيم التمويه فى التعبير؟ ... أما إن هذا ليس إلا مظهراً من مظاهر إنكار معجزاته صلى الله عليه وسلم ’ وقد علمت فيما مضى أن مصدر إنكار المعجزات للرسول صلى الله عليه وسلم - بعد ثبوتها بالقطع المتواتر - ليس إلا صعفاً فى الإيمان بنبوته صلى الله عليه وسلم.

ثانياً:- قطع نخيل بنى النضير وإحراقها ’ ثبت بالإتفاق ’ والذى أتلفه الرسول صلى الله عليه وسلم من ذلك إنما هو البعض ثم ترك الباقى ’ وقد نزل القرآن تصويباً لما أقدم عليه الرسول صلى الله عليه وسلم من ذلك: قطعاً و إبقاءً ’ وذلك فى قوله تعالى: (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله .... ) الحشر 5.

وقد إستدل العلماء بذلك ’ على أن الحكم الشرعى فى أشجار العدو وإتلافها منوط بما يراه الإمام و القائد من مصلحة النكاية بأعدائهم ’ فالمسألة إذاً من قبيل ما يدخل تحت إسم السياسة الشرعية. قال العلماء وإنما كان قصد الرسول صلى الله عليه وسلم بتصرفه هذا فى نخيل بنى النضير - قطعاً أو كفاً - تحقيق المصلحة وتلمس السبيل إليها ’ إرشاداً وتعليماً للأئمة من بعده.

وبهذا ايضاً علل الشافعى رحمه الله ’ أمر ابى بكر رضى الله عنه بالإحراق و القطع حينما أرسل خالداً الى طليحة وبنى تميم ’ مع أنه نهى هو نفسه عن ذلك فى حروب الشام ’ ويقول رحمه الله فى هذا: (ولعل أمر أبى بكر بأن يكفوا عن أن يقطعوا شجراً مثمراً ’ إنما هو لأنه سمع الرسول صلى الله عليه وسلم يخبر أن بلاد الشام

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ١٩٢٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ١٩٢٣