ولما يمض أمد بعيد على مقتل أولئك النفر الستة الذين كان قد بعثهم فى ذلك السبيل نفسه .... ولقد إستشعر الخوف عليهم ' وذكر ذلك لعامر ابن مالك عندما إقترح عليه إرسال وفد لدعوة الناس الى الدين ولكنه كان يرى أن القيام بأعباء التبليغ أهم من كل شاء ' ولئن لم يمكن تحمل مسؤولية الدعوة و النهوض بها إلا بمثل هذه المغامرة وقبول ما قد ينتج عنها ' فلتكن المغامرة ' وليكن ما أراد الله تعالى فى سبيل القيام بأمره وتبليغ دعوته.
ثانياً:- كنا قد قلنا فى القسم الأول من هذا الكتاب ' أنه لا يجوز للمسلم المقام فى دار الكفر أو الحرب إن لم يمكنه إظهار دينه ' ويسن له ذلك إن أمكنه إظهار دينه ' والذى يدل على هذا المشهد من سيرته صلى الله عليه وسلم أنه يستثنى من ذلك ما إذا كان المقام للمسلم فى دار الكفر إبتغاء القيام بواجب الدعوة الإسلامية هناك ' فذلك من أنواع الجهاد الذى تتعلق مسؤوليته بالمسلمين كلهم على أساس فرض الكفاية الذى إن قام به البعض قياماً تاماً سقطت المسؤولية عن الباقين ' وإلا إشتركوا كلهم فى المأثم.
ثالثاً:- إذا تجاوزنا ما تنطوى عليه كل من حادثتى الرجيع وبئر معونة من دلالة واضحة على مدى ما كانت تفيض به أفئدة المشركين من غل وحقد على المؤمنين ' حتى إنهم إرتضوا لأنفسهم أحط مظاهر الخيانة و الغدر إبتغاء إطفاء غليل أحقادهم على المسلمين - أقول إذا تجاوزنا ذلك- وقفنا على صورة رائعة لعكس هذه الطبيعة لدى أولئك المسلمين الذين راحوا ضحية تلك الخيانةو الأحقاد ' فقد رأيت كيف حبس خبيب رضى الله عنه أسيراً فى بيت الحارث فى إنتظار ساعة قتله ' وكان قد إستعار شفرة ليصلح بها شأنه ويتطهر إستعداداً للموت ' وفى البيت طفل صغير راح يدرج نحوه فى غفلة من أمه ' ولقد كانت هذه اللحظة ' فى حساب من يتعلق بالحياة ويفكر فى الإنتقام ' فرصة رائعة لمساومة أو غدر مقابل غدر ' ولقد كان هذا هو حساب أهل البيت كلهم ' فما إن إنتبهت أم الطفل الى إنصرافه نحو خبيب حتى هبت مذعورة لتخلصه من براثن موت مؤكد! ... ولكنها وقفت مندهشة عندما رأت طفلها وقد أجلسه خبيب فى حجره يلاطفه كأنه أب شفوق! .... ونظر إليها وقد ألمّ بما فى نفسها من الخوف وقال لها فى هدوء المؤمن الحليم: أتخشين ان أقتله؟ ما كنت لأفعل إن شاء الله! ....
فانظر الى معجزة التربية الإسلامية للإنسان! ... خبيب هذا وأولئك المشركون الحاقدون الذين راحوا يصنعون الموت له ظلماً وعدواناً ' عرب أنبتتهم أرض واحدة وأظلتهم طبائع وتقاليد واحدة ' ولكن خبيباً إعتنق الإسلام فأخرجه الإسلام إنساناً آخر ' وأولئك عكفوا على ضلالهم ' فحبستهم ضلالاتهم فى طبائعهم المتوحشة الغادرة ' فما أعظم ما يفعله الإسلام فى الطبيعة الإنسانية من تغيير وتحويل.
رابعاً:- يستدل مما سبق أن للأسير فى يد العدو أن يمتنع عن قبول الأمان ' ولا يمكن من نفسه ولو قتل ' ترفعاً عن أن يجرى عليه حكم كافر ' كما فعل عاصم ' فإن أراد الترخص ' فله أن يستأمن ' مترقباً الفرصة مؤملاً الخلاص كما فعل خبيب وزيد ' ولكن لو قدر الأسير على الهرب لزمه ذلك فى الأصح وإن أمكنه إظهار دينه بينهم ' لأن الأسير فى يد الكفار مقهور مهان ' فكان من الواجب عليه تخليص نفسه من هوان الأسر