خامساً:- إذا تأملنا فى جواب زيد ابن الدثنّة لأبى سفيان ' قبيل قتله - علمنا مدى المحبة التى كانت تنطوى عليها أفئدة الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ' ولا ريب أن هذه المحبة من أهم الأسباب التى حببت الى قلوبهم كل تضحية وبذل فى سبيل دين الله تعالى و الدفاع عن رسوله ' ومهما بلغ المسلم فى إيمانه ' فإنه بدون هذه المحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعتبر ناقص الإيمان ' وإنها لحقيقة صرح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ماله وولده ووالده و الناس أجمعين).
سادساً:- دلّ ما ذكرناه من أمر خبيب أيام كان أسيراً فى مكة ' أن كل ما أمكن أن يكون معجزة لنبى جاز أن يكون كرامة لولى ' مع فارق أساسى لا بد منه ' وهو أن معجزة النبى تكون مقرونة بالتحدى ودعوة النبى ' أما كرامة الولياء و الصالحين فتأتى عفوا دون أن تقترن بأى نوع من التحدى.
وهذا ما جرى عليه جمهور أهل السنة و الجماعة ' ولا أدل عليه من هذا الذى أكرم الله به خبيباً قبل القتل ' وهو ثابت كما رأيت فى الحديث الصحيح الذى رواه البخارى وغيره.
سابعاً:- قد يتساءل البعض: فما الحكمة من تمكين يد الغدر من هؤلاء الفتية المؤمنين الذين لم يخرجوا إلا إستجابة لأمر الله ورسوله؟ وهلاّ مكنهم الله من أعدائهم ليتغلبوا عليهم؟ .....
و الجواب هو كما ذكرناه أكثر من مرة ' من أن الله تعالى تعبد عباده بتحقيق أمرين إثنين: إقامة المجتمع المسلم ' والسعى الى ذلك فى طريق شائكة غير معبدة ' والحكمة من ذلك أن تتحقق عبودية الإنسان لله تعالى ' وأن يمحص الصادقون عن المنافقين ' وأن يتخذ الله منهم شهداء' وأن يتجلى المعنى التنفيذى للمبايعة التى جرت بين الله وعباده المؤمنين و التى صرح بها قوله تعالى: (إن الله إشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ' يقاتلون فى سبيل الله فيقتلون ويقتلون)
وأى معنى كان يبقى لتوقيع على صك هذه المعاهدة ' لو أن كل ما جاء فى مضمونها وهم لا يتحقق؟! بل وأى قيمة تبقى حينئذ لهذا التوقيع حتى يحرز به صاحبه الجنة و السعادة الأبديةالخالدة.
و المشكلة فى اساسها ' إنما تطوف فى رأس من قدّر هذه الحياة العاجلة أكثر من قدرها الحقيقى وأولاها أكثر مما تستحق من الإهتمام ' وضعف تعلقه فى المقابل بالحياة الآخرة وشأنها ' وتلك هى آية عدم الإيمان بالله تعالى أو ضعفه فى النفس ' ومثل هؤلاء الناس لا ينتظر منهم أن يغامروا بروح ولا مال ' أما المؤمنون حقاً فالمشكلة غير متصورة لديهم من أساسها ' فلذة الحياة الدنيا فى يقينهم ' أقل شأناً من أن تحبس المسلم عن أداء أصغر طاعة يتقرب بها الى خالقه ' وما التضحية بالروح فى يقينهم إلا الإنطلاقة من سجن الدنيا الى نعيم الآخرة وأنعم بها من غاية هى كل أمل المسلم فى حياته التى يعيشها ' وهذا الشعور يتجلى بأوضح صورة فى الأبيات التى قالها خبيب عند مقتله ' خاصة فى آخر بيت
منها وهو يقول:
ولست بمبد للعدو تخشعاً ولا جزعاً إنى الى الله مرجعى