قال صلى الله عليه وسلم: قولوا: الله أعلى وأجل.
فقال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا تجيبونه؟ قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم.
وتحدى أبو سفيان المسلمين وقال: موعدنا العام القادم.
فقالوا: هو بيننا وبينك موعد.
حدث هذا الحوار في وقت كان يفترض أن يكون فيه المسلمون في انكسار وهوان وذلة, لكن خسارة تلك الجولة في سلسلة الصراع بين الحق والباطل لا يمكن أن تنال من عزتهم ومن شموخهم بدينهم، ومن ثباتهم على مبادئهم بل وفي وقوفهم وردهم على عدوهم ردا يوضح موقفهم وفكرهم ..
فعجبا لهذا الضعيف المهزوم كيف يقف مستعليا بإيمانه, مفتخرا بمنهجه, منتصرا بفكره!
لقد حاز المشركون من النصر على صورته لا حقيقته, لأن النصر الحقيقي هو الانتصار على نفس المهزوم وعقله وقلبه, كما أن الهزيمة الحقيقية هي أن لا يقوم المهزوم بواجبه في حال الهزيمة وأن يستسلم لمصيره, ويضعف أمام خصمه, ويستعظم شأنه, ويرضى بالهوان, فيسيطر الخصم على قلبه وفكره, ويقوده بكل سهولة, وهذا أخطر ما في الهزيمة.
لقد تعلم المسلمون الدرس ومضوا في طريقهم نحو غايتهم بعد أن صقلتهم تجربة أحد وقومت مسيرهم وصححت مفاهيمهم وزكت نفوسهم فقاموا يبلغون دينهم وهم أصلب عودا وأشد قوة .. فإن الضربة التي لا تقصم ظهرك تقويك, وقد بث رسول الله صلى الله عليه وسلم في رجاله روح التفاؤل والثقة والبشر فقال لهم: (لن ينالوا مثلها بعد اليوم حتى يفتح الله علينا).
وتعرض المسلمون بعد أحد لمأساة ثانية في ذات الرجيع وفقدوا غدرا ستة من خيار الصحابة الدعاة المعلمين الذين أرسلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن تظاهر الغادرون أنهم يريدون منه أن يرسل معهم من يعلم قومهم الإسلام, وفي نفس الشهر الذي حدثت فيه تلك المأساة جاءهم من يطلب ذات الطلب ولنفس السبب فلم يحجم المسلمون ولم تمنعهم قساوة التجربة ومرارتها من تكرار المحاولة والتفكير بإيجابية نحو العمل البناء, فالمقام مقام التضحية والفداء لا مقام الحيطة والحذر, فأرسلوا أربعين صحابيا هذه المرة بعد أن اتخذوا احتياطهم ودخلوا في جوار رجل له هيبة بين العرب, ولكن حدثت مأساة أخرى أكبر إذ فقدوا في هذه المرة الصحابة الأربعين غدرا أيضا في بئر معونة. وبعد ذلك تعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم لمحاولة اغتيال من قبل يهود بني النضير.
ولم تمنع هذه المآسي المسلمين من تبليغ رسالة ربهم ونشر دعوتهم وتحطيم العوائق التي تعترضهم رغم أنهم كانوا وحدهم في الميدان يواجهون الدنيا كلها وقد تجرأ عليهم الأعراب والمنافقون واليهود والنصارى, فوجه المسلمون ضربة قاصمة لبني النضير، وأرسل الرسول صلى الله عليه وسلم السرايا لتردع المتربصين وتؤدب الغادرين, ووصلت يد المسلمين الطويلة إلى شمال الجزيرة في دومة الجندل لتوجه ضربتها, فاستعادوا هيبتهم وانتقلوا من الهزيمة إلى النصر.