تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن هؤلاء الذين قتلوا في سبيل الله وبعدوا عن أعينكم ليسوا بأموات بل أحياء لهم كل خصائص الأحياء, فهم يرزقون, وهم فرحون بما حصلوا عليه, مشغولون بما وراءهم من إخوانهم, مستبشرون لهم لما علموه من أجر وفضل .. فهم لم ينفصلوا عن إخوانهم, فما الذي بقي من خصائص الحياة غير متحقق, فلا تتحسروا على فراقهم, بل افرحوا لما أصابهم, وهذا تصحيح وتعديل كامل لمفهوم الموت والحياة لتسير عليه خطى المجاهدين إلى يوم القيامة.

وقد وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على شهداء أحد وقال: أنا شهيد على هؤلاء, إنه ما من جريح يجرح في الله إلا ويبعثه الله يوم القيامة, يدمى جرحه, اللون لون دم, والريح ريح مسك.

الذين استجابوا لله من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم, الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل, فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم (آل عمران 173 - 174)

لم يشأ الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكون آخر شعور للمسلمين هو الشعور بالهزيمة, فاستنهضهم لمتابعة قريش ليشعرهم بأنهم مازالوا أقوياء وأن خسارة معركة ليست نهاية المطاف وليستخرج الطاقات المكنونة عند هؤلاء المجهدين, فتحركوا ونفضوا عنهم الضعف والفشل, وأراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يشعر المسلمين وأن يشعر الدنيا كلها أن هناك حقيقة جديدة وجدت على الأرض وهي أن هناك عقيدة هي كل شيء في نفوس أصحابها, وهي أكبر من الآلام والجراح, وأن المسلمين المتوكلين على الله لا يرهبهم أن يحشد الكفر حشوده ما دام الله معهم, بل إن ذلك يزيدهم إيمانا وتصديقا.

خامسا: هل تهزم الأمة المؤمنة؟

عندما أراد أبو سفيان الانصراف بعد الانتهاء من غزوة أحد وقف منتشيا مفتخرا, مزهوا بنصره، وأخذ يسأل: هل فيكم محمد؟ هل فيكم أبو بكر؟ هل فيكم عمر؟ إدراكا منه أن هؤلاء الثلاثة هم الرموز الأساسية للأمة, فسكتوا عنه حتى أجاب عمر بأنهم لا زالوا أحياء, فقال بأعلى صوته للفرقة المؤمنة ليكسر من عزيمتهم:

أنعمت فعال، الحرب سجال، يوم بيوم بدر, يوم نساء ويوم نسر.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا تجيبونه؟

قالوا: يا رسول الله ما نقول؟

قال: قولوا: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار.

والرسول صلى الله عليه وسلم يريد بذلك أن يشحذ من عزيمة المسلمين ويقوي إرادتهم ..

وهنا أراد أبو سفيان أن يحول الانتصار العسكري المادي إلى انتصار عقدي حضاري ..

فهتف: اعل هبل, اعل هبل.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا تجيبونه؟

قالوا: يا رسول الله ما نقول؟

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ١٩٠٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ١٩٠٤