كوامن الرحمة في قلبه لتغلب على ما أثاره تصرفهم فيه, ثم يدعوه أن يعفوا عنهم ويستغفر لهم وأن يشاورهم في الأمر كما كان يشاورهم قبل المعركة, رغم ما أحدثته الشورى من انقسام في الصفوف في أحرج الظروف.
إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون (آل عمران 160)
على المسلم أن ينهض بالتكاليف ويبذل الجهد, ويتوكل بعد هذا كله على الله ولا يلتمس شيئا من عند غير الله فلا قوة إلا قوة الله ولا قدرة إلا قدرته, وليس للمسلم إلا أن يتوكل على الله وحده.
أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير (آل عمران 165)
لقد كتب الله على نفسه نصر أوليائه وأصحاب عقيدته وهذا بشرط كمال الإيمان في قلوبهم وسلوكهم وسنة الله لا تحابي أحدا.
وقد تساءل المسلمون كيف يغلبون وهم يجاهدون في سبيل الله, وأعداؤهم هم المشركون أعداء الله, فيذكرهم الله أنكم قد انتصرتم في بدر وأصبتم مثلي ما أصابوا منكم الآن, وذلك حينما كنتم مستقيمين على أمر الله ورسوله آخذين بأسباب النصر, صابرين صامدين, ولكن أنفسكم هي التي ضعفت واستكانت لأمر الدنيا وركنت إلى أن النصر قادم دون تعب, فراجعوا أنفسكم وصححوا مسيرتكم.
وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين, وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون (آل عمران 167) عندما انسحب ابن سلول بثلث الجيش لحقهم عبد الله بن حرام وهو يقول تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا فاحتجوا بأن القتال لن يقع, والله يفضح هنا المنافقين ويعريهم على حقيقتهم, وقد كان من نتيجة المعركة التمييز لأول مرة بين المؤمنين الصادقين والمنافقين الذين دخلوا في الإسلام ظاهرا بعد انتصار المسلمين ببدر.
وكانت عادة عبد الله بن أبي بن سلول إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة على المنبر قام فقال: أيها الناس هذا رسول الله بين أظهركم أكرمكم الله تعالى به وأعزكم, فانصروه وعزروه واسمعوا له وأطيعوا, ثم يجلس فبعد أحد أراد أن يفعل كذلك, فلما قام أخذ المسلمون بثوبه من نواحيه وقالوا له: اجلس عدو الله, والله لست لذلك بأهل وقد صنعت ما صنعت, فخرج وهو يتخطى رقاب الناس, وهو يقول: كأني إنما قلت بجرا (سوءا) , وقال له بعض الأنصار: ارجع يستغفر لك رسول الله, فقال: والله ما أبتغي أن يستغفر لي.
ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون, يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين (آل عمران 169 – 171)