تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يريدون الطاعة المطلقة للرسول صلى الله عليه وسلم .. فريق يريد الدنيا وفريق يريد الآخرة .. ولا انتصار في معركة الميدان دون الانتصار في معركة الضمير, إنها معركة الله ولا ينصر الله فيها إلا من خلصت نفوسهم له, وهذا درس تعلمه المسلمون بعد أن ذاقوا حلاوة النصر, وذاقوا مرارة عصيان الرسول صلى الله عليه وسلم ليصبحوا بعد ذلك أشد حذرا ويقظة من أسباب الشيطان.

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ما كنت أرى أن أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا حتى نزل فينا يوم أحد: (منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة).

وعفا عنكم لأنكم تخطئون وتضعفون لكن في دائرة الإيمان بالله والاستسلام له.

وقد أخذ القرآن هنا في اعتباره - وهو يربي المسلمين- أن الهزيمة وحدها كافية لتكون درسا لهم, فترفق بهم وقال) منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة) أما في بدر فقال (تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم, ولولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم) (الأنفال: 67، 68) فحساب المنتصر يختلف عن حساب المنكسر (4) وهذه لفتة تربوية مهمة.

إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون (آل عمران: 153)

ويصعد المسلمون إلى الجبل هربا في اضطراب .. لا يلتفت أحد منهم إلى أحد, والرسول صلى الله عليه وسلم يدعوهم إليه فلا يجيبون, وهنا يعمق القرآن وقع الحادثة في نفوسهم ويثير الخجل والحياء من الفعل وأسبابه, فأثابهم غما على الغم الذي تركوه في نفس الرسول صلى الله عليه وسلم.

يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير (آل عمران 156)

إن صاحب العقيدة مدرك للسنن ولقدر الله الذي يصيبه, وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه, ومجال التدبير والتقدير والرأي والمشورة هو قبل الإقدام والحركة, أما إذا تحرك – بعد التدبير- فهو راض بما يقع من نتائج ولا يتحسر على أنه لم يفعل كذا ليتقي كذا .. أما الفارغ من العقيدة فهو أبدا في قلق بين لو ولولا ويا ليت وواأسفاه!

وليس براجع ما فات مني بـ (لهف) ولا بـ (ليت) ولا (لو اني)

فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين (آل عمران 156)

تحمس القوم للخروج ثم اضطربت صفوفهم, فرجع ثلث الجيش قبل المعركة, وخالفوا بعد ذلك أمره, وضعفوا أمام الغنيمة, ووهنوا أمام إشاعة مقتله, وانقلبوا على أعقابهم مهزومين, وأفردوه في النفر القليل, وتركوه يثخن بالجراح وهو صامد يدعوهم في أخراهم وهم لا يلوون على أحد, فيتوجه الله إليه صلى الله عليه وسلم يطيب قلبه ويذكره ويذكرهم بالنعمة التي هم فيها المتمثلة في خلقه الكريم, ويستجيش

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ١٩٠٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ١٩٠٢