وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين, وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين (آل عمران:137 - 141)
لقد ظن المسلمون أنهم سينتصرون دائما لأنهم مسلمون وحسب, واستغربوا كيف تجري معهم الأمور على هذا النحو وهم المسلمون؟ وتساءلوا كيف نهزم ونحن حملة الإسلام؟ فيردهم القرآن إلى سنن الله في الأرض .. ويدعوهم إلى فهم هذه السنن والنواميس التي لا تتخلف, فهذه السنن هي التي تحكم الحياة .. فكما وقعت في السابق فستقع دائما .. وهي:
(1) النصر من عند الله صلى الله عليه وسلم:2) لا نصر لمن يعصي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم 3) مداولة الأيام بين الناس (4) الابتلاء لتمحيص السرائر (5) امتحان قوة الصبر على الشدائد (6) هلاك الأمم الظالمة على مدار التاريخ (7) المؤمنون هم المنتصرون في النهاية (8) كل شيء بسبب.
ومن خلال استعراض السنن, تشجع الآيات على الاحتمال والمواساة في الشدة والتأسية على القرح .. الذي لم يصبهم وحدهم إنما أصاب أعداءهم كذلك, وهم الأعلى .. عقيدة وهدفا, والأهدى .. طريقة ومنهجا, والعاقبة في النهاية لهم.
والله يربي بالابتلاء بالشدة, بعد التربية بالابتلاء بالرخاء, لنتعلم أسباب النصر والهزيمة ولنزيد طاعة لله وتوكلا عليه, يقول ابن القيم رحمه الله: (إن النفوس تكتسب من العافية الدائمة والنصر والغنى طغيانا وركونا إلى العاجلة يعوقها عن جدها في سيرها إلى الله والآخرة وذلك مرض، فإذا أراد الله بها الرحمة والكرامة قيض لها من الابتلاء ما فيه دواء وشفاء لذلك المرض).
وعندما قابل أبو سفيان هرقل فيما بعد سأله هرقل عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هل قاتلتموه؟ قال: نعم, قال: كيف الحرب بينكم؟ قال: سجال يدال علينا مرة وندال عليه أخرى, قال: كذلك الرسل تبتلى ثم تكون العاقبة لهم.
وهذا بيان للناس كافة فهو نقلة بشرية بعيدة .. تجعل العرب أهل البداوة ينظرون إلى التاريخ وعبره ويخططون للمستقبل وآفاقه .. ويربطون الماضي بالحاضر والحاضر بالمستقبل.
وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفئن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين (آل عمران: 144)
حين أشيع في المسلمين أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد قتل, انكفأ المسلمون وانقلبوا صاعدين إلى الجبل أو عائدين إلى المدينة أو جالسين مذهولين, لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم بالنسبة لهم هو كل شيء فلما سرت الإشاعة أصيبوا بالذهول من هول هذا الأمر, إلا فئة قليلة ثبتت واختارت الموت على ما مات عليه الرسول صلى الله عليه وسلم.
والمسلمون الذين يحبون نبيهم حبا لم تعرف البشرية له نظيرا .. ويفدونه بحياتهم أن تشوكه شوكة- وقد رأينا كيف دافع المسلمون عن نبيهم- ومازال المسلمون في كل مكان وزمان يحبون نبيهم بكل مشاعرهم وكيانهم, مطلوب منهم أن يفرقوا بين شخص محمد صلى الله عليه وسلم والعقيدة التي يبلغها للناس.