فقد كانت آيات القرآن الكريم تتنزل مفرقة إثر كل حدث يمارسه المسلمون, وعقب كل تجربة يخوضونها, تتنزل لكي تمتزج مع حيوية التجربة المعاشة وواقعيتها وثقلها, حتى تغدو هذه الآيات جزءا من كيان المسلم متمثلا في لحمه ودمه وعصبه ووجدانه, إنه الارتباط الشرطي الذي أشار إليه علم النفس .. أن القيم والتعاليم إذا ارتبطت بحدث خطير له في النفس وقع كبير سرعان ما تستقر في أعماق النفوس والقلوب والعقول, (1) وقد أعطانا القرآن هنا نموذجا فذا للتربية بالأحداث والتربية بالتعقيب على الأحداث.
أنزل الله سبحانه وتعالى في غزوة أحد ستين آية في سورة آل عمران ابتداء من الآية 121, وقد سئل عبد الرحمن بن عوف عن قصة يوم أحد فقال: اقرأ العشرين ومائة من آل عمران تجدها: (وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال).
وهذه الآيات تحوي العديد من التوجيهات والدروس المهمة التي يجب أن يأخذ المسلمون منها العبرة, ويربوا أنفسهم وفقا لتعاليمها, وينظموا صفوفهم على أساسها, هذه الدروس التي تعلمها المسلمون في أحد كانوا بحاجة إلى أن يتعلموها وهم في بداية مسيرتهم الحضارية وهي أهم بكثير من الانتصار في معركة, وليبقى للأمة الرصيد الذي لا يقدر بثمن.
ونحن سنعلق على بعض الآيات الواردة في أحد مسترشدين بما كتبه الشهيد سيد قطب حول هذه الآيات (2).
وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم, إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المتوكلون (آل عمران 121، 122)
يبدأ القرآن الكريم بعرض القصة من أولها, ويذكر المسلمين بتوزيع الرسول صلى الله عليه وسلم لهم على الأماكن, وفي هذا إشارة إلى سبب الهزيمة, ويذكر بحركة الضعف والفشل التي راودت قلوب المسلمين وذلك أن ابن سلول لما انسحب بثلث الجيش, همت طائفتان بالفشل وهما بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس وذلك عن ضعف ووهن لا عن شك في دينهما, وقالوا بعد ذلك: ما نحب أنا لم نهم بما هممنا به لتولي الله إيانا في ذلك.
ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون (آل عمران 123)
ويذكرهم القرآن ببدر للمقارنة وتأمل الأسباب والنتائج, ومعرفة أسباب النصر والهزيمة, فلقد كانوا في بدر أقل عددا وأقل عدة وانتصروا رغم ذلك, والقرآن يعيدهم بذلك للحقيقة وهي أن النصر من عند الله وحده.
لقد أيد الله المسلمين ببدر بالملائكة, كما أيدهم في غزوة الخندق بريح عاتية وجهها سبحانه على الأحزاب حتى انسحبوا, أما في أحد فلم ينزل أي مدد من السماء وذلك لأن سنة الله تقتضي أن يبذل المسلم جهده, ويأخذ بالأسباب حسب طاقته, ولا يترك شيئا للصدفة, فإذا فعل ذلك نزل تأييد الله له, أما إذا لم يفعل فنصر الله لا يتنزل إلا بعد إعداد العدة حتى لو قتل المسلم نفسه عبادة وصلاة ودعاء ..
قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين, هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين, إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس