#ولما انهزم المسلمون, انهزمت طائفة من المسلمين حتى دخلت المدينة فلقيتهم أم أيمن فجعلت تحثو التراب في وجوههم, وتقول لبعضهم هاك المغزل فاغزل به, وهلم سيفك أي اعطني سيفك.
#وفرغ الناس لقتلاهم, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من رجل ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع؟ في الأحياء هو أو في الأموات؟ فقال رجل من الأنصار: أنا أنظر لك يا رسول الله ما فعل سعد. فنادى في القتلى: يا سعد بن الربيع مرة بعد مرة, فلم يجب أحد, قال يا سعد إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أنظر ما صنعت, فأجابه حينئذ بصوت ضعيف, فنظر فوجده جريحا في القتلى وبه رمق, فقال له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أنظر في الأحياء أنت أم في الأموات؟ قال سعد: أنا في الأموات, فأبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عني السلام, وقل له: إن سعد بن الربيع يقول لك: جزاك الله عنا خير ما جزى نبيا عن أمته, وأبلغ قومك عني السلام, وقل لهم: إن سعد بن الربيع يقول لكم: إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم ومنكم عين تطرف, الله الله وما عاهدتم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة, فوالله ما لكم عند الله عذر. فقال صلى الله عليه وسلم: رحمه الله, نصح لله ولرسوله حيا وميتا.
هذه النماذج من البطولة والفداء هي التي أحبت الإسلام فدافعت عنه بدمائها وأرواحها حتى انتصر الإسلام ووصل إلينا كما وصل ولولا تلكم النماذج الربانية لما انتشر الإسلام ولما كنا مسلمين.
لقد أتقن المؤمنون صناعة الموت, ومن يتقن صناعة الموت توهب له الحياة, وما ابتلي المؤمنون بشيء مثل الابتلاء بحب الدنيا وكراهية الموت, لقد رأينا كيف شاركت الأمة كلها في الجهاد .. برجالها ونسائها .. وشيوخها وفتيانها .. وأصحائها ومعاقيها .. وحتى غير المسلمين ممن انضوى تحت راية الدولة الإسلامية, لقد كانت الأمة كلها مجاهدة, ولسنا بحاجة إلى التعليق على تلك النماذج البطولية الخالدة إلا بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم يوشك أن تتداعي عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها قالوا أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعنّ الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفنّ في قلوبكم الوهن. قالوا وما الوهن؟ - أي ما سببه فإن معنى الوهن معروف وهو الضعف- قال: حب الدنيا وكراهية الموت.
رابعا: التربية القرآنية
لم تكن الهزيمة في أحد سببها خطأ فني ميداني بانصراف الرماة عن مواقعهم فحسب ولكن كان السبب تربويا بالدرجة الأولى متعلقا بمخالفة أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم طمعا في عرض زائل من الدنيا وبانصراف المسلمين من المعركة وهي في أشدها, وبالوهن الذي أصابهم عندما أشيع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل, والمسلمون مطالبون بمجاهدة النفس البشرية وأطماعها وشهواتها, ومطالبون بتصحيح مفاهيمهم وتصوراتهم حول الكون والحياة, المسلمون مطالبون بالانتصار في معركة الضمير قبل الانتصار في معركة الميدان, والقرآن الكريم نزل ليعالج هذه المسائل التربوية, ويعلق على الأحداث وهي ساخنة.