ففاقت عبقريته صلى الله عليه وسلم العسكرية عبقرية خالد .. الذي يبدو أنه تأثر بطريقة الرسول صلى الله عليه وسلم في انسحابه المنظم فألهمه ذلك انسحابه الرائع في مؤتة.
ولم يفكر الرسول صلى الله عليه وسلم بالفرار والنجاة بنفسه بل صمد وقاوم وقاتل بنفسه مع جيشه, ورمى عن قوسه حتى أصبحت شظايا, وتحمل ما تحمله جنوده وأصيب كما أصيبوا .. وكان هو المحرك لهم والنور الذي يضيء طريقهم .. ولولا وجوده معهم لانهار الجيش تماما ولكانت الخسائر فادحة والهزيمة ساحقة.
ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم بمناورته في حمراء الأسد استعاد هيبة المسلمين ورفع الروح المعنوية لجنوده وأثبت أن المسلمين لا يزالون موجودين وقادرين على الدفاع عن أنفسهم, واستخدم في ذلك الأسلوب الدعائي والسياسي دون إنهاك الجيش ودون أي خسارة, يقول اللواء الركن مصطفى طلاس: إن عدد القادة في التاريخ الذين استطاعوا أن يسيطروا على جيوشهم بعد الهزيمة يعد على أصابع اليد, لذلك فإن كبار القادة العسكريين يحنون هاماتهم لعمل الرسول العربي في المناورة العسكرية البارعة لحملة حمراء الأسد (8). (1) الخرائط المنشورة منقولة من كتاب غزوة أحد لشوقي أبي خليل.
(2) اللواء محمد فرج, العبقرية العسكرية لغزوات الرسول ص 350
(3) وهنا نشير إلى اهتمام الرسول صلى الله عليه وسلم بالاستخبارات وجمع المعلومات وتحليلها وما يعرف اليوم بالإنذار المبكر.
(4) يخرجوا إلينا في الصحراء
(5) تحت السرة
(6) اللواء محمد فرج, العبقرية العسكرية لغزوات الرسول ص (351 - 354)
(7) لمعرفة تفاصيل المعركة ينصح بالرجوع إلى الرحيق المختوم.
(8) الرسول العربي وفن الحرب ص 173
ثالثا: صناعة الموت .. هكذا أتقنها المسلمون
أخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفا مكتوبا في إحدى صفحتيه:
في الجبن عار وفي الإقبال مكرمة
والمرء بالجبن لا ينجو من القدر
وقال صلى الله عليه وسلم من يأخذ هذا السيف بحقه؟ فقام إليه رجال, فأمسكه عنهم, ومن جملتهم علي رضي الله عنه قام ليأخذه, فقال: اجلس, وعمر رضي الله عنه, فأعرض عنه, والزبير رضي الله عنه, طلبه ثلاث مرات, ورسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض عنه, حتى قام إليه أبو دجانة سِماك بن خَرَشة فقال: وما حقه يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: أن تضرب به العدو حتى ينحني. فقال أبو دجانة: أنا آخذه يا رسول الله بحقه, فأعطاه إياه. وكان أبو دجانة رجلا شجاعا يختال عند الحرب, وكان إذا أراد القتال, يخرج عصابة حمراء, يعلم بها عند الحرب يعتصب بها, فلما أخذ السيف من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرج عصابته تلك فاعتصب بها, ثم جعل يتبختر بين الصفين, فقال صلى الله عليه وسلم حين رأى أبا